Tuesday, June 18, 2019

"أنطوان" إسدالٌ للستارة و"سياسة" إعلانٌ للفراق مازن كرباج في شرائط مصوّرة تتّهمنا في أحوالنا


"أنطوان" إسدالٌ للستارة و"سياسة" إعلانٌ للفراق مازن كرباج في شرائط مصوّرة تتّهمنا في أحوالنا


أدب، فكر، فن
"أنطوان" إسدالٌ للستارة و"سياسة" إعلانٌ للفراق
مازن كرباج في شرائط مصوّرة تتّهمنا في أحوالنا
جورج خوري (جاد) 19 حزيران 2019 | 05:45

الإحاطة بفن مازن كرباج تقارب الإعجاز. هو رسّام الشريط المصوّر المختلف، والموسيقي والعازف المغاير، والمصمّم الغرافيكي خارج التقاليد والإنسان الذي لا يشبه إلاّ ذاته. غزير الإنتاج، كثير الكلام والمواقف، ساخر من كل شيء وكل أحد، وإذا افتقر إلى موضوع للتهكّم انتقد نفسه. يعشق الحريّة، تستفزّه السذاجة والقوالب الجاهزة، ومستعدّ دائماً للتجريب والخطأ والتكرار والإعادة. يستهويه تحدّي الآخر وتحدّي الذات وكسر الحدود، حدود الفكر والفن والعيش، كأنه في سباق دائم مع نفسه مذ قرّر قبل عقدين أن يتمرّد فوق أوراق تناثرت ولم تزل في بيروت وباريس وبرلين رسوماً ونوتات موسيقيّة قد لا يدركها في بعض الأحيان سوى هو.

 

Text Box: يضع مازن كرباج كل ما في جعبته من مواقف وانتقادات لاذعة لحالنا وحال العرب في سخرية سوداء لا تعرف حدوداً
منذ البداية، وفي صفحته الأولى من كتابه الأول، "يوميّات" (1999) الذي طبعه على نفقته، حدّد موقفه الفنّي: "نظرة الناس إلى لوحتي ليست مشكلتي وإنما مشكلتهم هم. لا أرسم للآخرين، لوحتي أصنعها لنفسي"، مقتبساً عن فرنسيس بايكون ملهمه التشكيلي الأول، كما "معلّمه" الأول دانيال غوسنز رسام الشريط المصوّر الذي أخذ عنه مقاربته المستفزّة مضموناً وليس شكلاً، فهو صنيع نفسه. تعجّ مخيّلته بالأفكار التي تريد الانعتاق، فيلجأ أحياناً بالرسم السريع بيديه الاثنتين استعراضاً بات ملازماً لظهوره أمام الجمهور، ولو قُدّرت له يد ثالثة لاستخدمها، لذا لم يتردّد في رسم رباعي الأيدي مع الفنانة لور غريّب في أغرب وأجمل علاقة فنيّة وإنسانيّة جمعت أماً بولدها.
تستهويه السياسة دون رغبة في احترافها أو متابعتها. في "سياسة"، كتابه الصادر قبل أيام عن دار "أكت سود Actes Sud"، و"أنطوان" قبله بأشهر عن "منشورات السمندل" (كلاهما بالفرنسيّة) يضع مازن كرباج كل ما في جعبته من مواقف وانتقادات لاذعة لحالنا وحال العرب في سخرية سوداء لا تعرف حدوداً. موضوعان يهوى التوقّف عندهما والعودة إليهما منذ رسومه الأولى من موقع المراقب الساخر لخطاباتنا البليدة ومواقفنا العنصريّة والصورة النمطيّة للآخر واحترافنا توهّم هزائمنا انتصارات، ولاعقلانيّة مقاربتنا لواقع العالم المتقدّم الذي بات مختلفاً وبعيداً عنّا.
كتابه الأخير تجميع لشرائط مصوّرة قصيرة سبق أن نشرها في صفحات مواقعه الرقميّة أو مدوّناته أو في جريدة "الأخبار" (الوحيدة بالعربيّة) بين عامي 2005 و2018، مع فارق أنه أعاد رسمها كلّها وفي أحيان أخرجها بإطار جديد وبسياق كلامي مختلف، ربّماً لأنه يتوجّه هذه المرّة إلى جمهور فرنسي أوسع من جمهوره اللبناني الفرنكفوني. هكذا ترجم واستعاد شرائط "هذه القصّة تجري" وحوّلها إلى صفحات، مختاراً بينها (لكثرتها) مواضيع اعتقد أنها لا تزال صالحة في وقتنا الحالي.
جريء مازن كرباج، ولا يضع قناعاً. يستفزّ برسومه ومواقفه دون الوقوع في الابتذال أو الافتعال أو السوقيّة سعياً لإثارة الجمهور أو حب الظهور كما أعتدنا في مقاربات غربيّة مثل "شارلي إيبدو" أو الأندرغراوند الأميركي، ربّما لأن تمرّده ليس عبثيّاً وإنما هو مسار يبحث في الطبيعة الإنسانية ويتمسّك بمبادئ لا يزال يرفض التنازل عنها أو عن مساحة الحريّة التي رسمها لنفسه شكلاً ومضموناً. يتجرّأ على رجال الدولة والدين، على رجال السلطة من العسكريين أو السياسيين، على المثقفين والإرهابيين، على المقاومة وإسرائيل، على نساء المجتمع المخملي والرجال من الأثرياء الجدد، على طائفيّتنا وعنصريّتنا وعلمانيّتنا في آن واحد. يقف دائماً إلى جانب المقهور والمقموع إلى درجة الشهادة، سواء في بيروت مع "مغامرات سمير قصير" أو في "يوميّات حرب أهليّة صغيرة" عن بيروت أيار 2008، أو الحرب السوريّة والمأساة الإنسانية في غزّة.
كثير الكلام وكأنه قلق من ألاّ تصل رسالته واضحة للمتلقّي، سواء في المونولوغ أو الحوارات بين الشخصيّات التي تتكرّر داخل كادرات كاميرا جامدة. فلغته البصريّة بعيدة عن التقنيّات السينمائيّة للحركة وتتجاوز الواقعيّة إلى تعبيريّة "تكعيبيّة" تميّز أسلوب رسمه، وخطوط يدويّة يصرّ على التمسّك بها مع خلفيّة واضحة في فن الغرافيك الذي درسه وأبدع فيه بامتياز.
"سياسة" أرهقته ربّما، فآثر التحرّر منها عبر نوتة حزينة أرسلها إلينا من فصله الأخير "بيروت في برلين، مقتطفات من انتقال نهائي"، وفيه سلسلة شرائط مصوّرة قصيرة عن تأقلم العائلة في العاصمة الألمانية والانقطاع التدريجي عما يحصل في بيروت التي تنتهي بإعلان الغربة والتوقف عن تناول أحوال البلد وناسه، فـ"بيروت في بيروت، وبرلين في برلين". وهنا جرأة وصدق في إعلان ما لم يقدم عليه مثقفونا من الذين اختاروا المهجر وتحديداً برلين مقرّ إقامة نهائياً. موقف يحاكي إحباطاً كان ألمح إليه حين أسدل الستارة في الصفحة الأخيرة من كتابه الروائي الذي سبقه.
"أنطوان – الفصل الأول: المصير العربي"، عنوان عريض أراده المؤلّف تحيّة لوالده أنطوان كرباج الممثل المخضرم الذي ارتبط في ذاكرتنا الجماعيّة بالزمن الجميل من تاريخنا. كتاب يقتبس بحريّة مطلقة نصّاً مسرحيّاً للشاعر والكاتب الراحل محمد الماغوط اكتشف مخطوطه بين أوراق والده المعتزل ("المرسيلياز العربي" أخرجها يعقوب الشدراوي عشيّة حربنا الأهليّة). هو المحاولة الأولى في تناول الرواية المصوّرة الطويلة بعد سنوات من القصص القصيرة التي احترفها وصنع لنفسه عبرها مكانة محليّة وعالميّة. الغلاف الخارجي يختصر المضمون: أنطوان يقف عاري الصدر إلاّ من ربطة عنق يلبس سروالا داخليّاً ويدخّن سيجارة قرب حقيبة سفر أمام حائط مهترئ عليه ملصقات لجمال عبد الناصر وشعارات من حقبة الستينات لا تزال تستخدم إلى يومنا، "لا للإمبريالية" و"بترول العرب للعرب" واختيار له معناه لشخصيّة حنظلة للفنان ناجي العلي الذي اغتيل في لندن قبل ثلاثين عاماً. شعارات بتنا نحترفها ونردّدها كأن الزمن توقّف عندنا حيث "كلّنا للمعركة" و"النصر لنا". شعارات زمن معلّق تعلن انطلاق القصّة وهروب أنطوان منها وصولاً إلى مدخل لعالم آخر ليله مضيء بحداثة يسعى إليها قبل أن يصرخ به صوت عالٍ يأمره بالتوقّف ويغلق الباب أمامه ويمنعه من الرحيل.
هو القدر العربي يرسمه عملاقاً من دون تعابير وجه سوى العيون المغمضة والشنبات المفتولة، وعكازتين خشبيّتين بدل الساقين وسبحة وثياب رثّة أرادها لبلطجي الحارة الذي تخطّاه الزمن ويذكّرنا بـ"أبو عنتر" القبضاي في مسلسلات دريد لحام. موقف سوريالي وحوار أقرب إلى مونولوغ يتدفّق فيه الكلام عن إحباط أنطوان إزاء واقع عربي متخلّف ومزر لا يتوقّف لحظة عن وصفه على مدى الصفحات الثلاثين التي تؤلّف الكتاب الذي جاء أشبه بمانيفستو الرفض والغضب. غاب التكرار في الرسم و"التكعيب" والجمود في رسم الشخصيّات التي طبعت أسلوبه وتركها ليستعيض عنها برسم شخصيّة تتحرّك وتظهر كاملة للمرّة الأولى ترافقها عين كاميرا من منظور متنوّع. غياب الخلفيات في شرائطه السابقة أفسح في المجال هنا للتركيز على تفاصيل بصريّة لملصقات ورموز وغرافيتي أضافت بعداً آخر أنقذنا من الوقوع في الملل والجمود، موزّعة في تأليف للصفحات يؤكد من جديد مهارته وذكاءه في التعامل مع نص مسرحي بعين مخرج ليكسب رهان مغامرته.
"أنطوان" مازن كرباج رفع تحدّي تناول الرواية المصوّرة. تحدّ أراده لنفسه قبل جمهوره، ما شكّل لديه دائماً الدافع الأول والأثارة الأولى لكل عمل يقوم به، ومرّة أخرى يكسب الرهان ويفتح لنفسه أفقاً جديداً في تجربته الفنيّة التي لا يعرف هو نفسه حدودها أو مآلها.
"أنطوان" أسدل الستارة، و"سياسة" إعلان للفراق، لكننا ننتظر أن يفاجئنا مازن كرباج كما اعتاد أن يفعل دائماً فيعود إلينا ساخراً لاذعاُ، سمكة تسبح في مياهها. سمكة أعتدناها تسبح عكس التيّار.
مازن كرباج كم نحتاجك خارج الإحباط.

Friday, May 10, 2019

حرب الآخرين"، "مسيو كوكو" و"يلّا باي" عن حروبنا وتناقضاتنا - بولاد مرّ بها وصفي الدين يحاول التقاطها في شرائط مصوّرة








أدب، فكر، فن









صدمات الحروب الكبرى تطبع ناسها سنوات، سواء الذين عاشوها واستقرّوا، أو الذين مرّوا فيها وهجروها، وفي حالات تنتقل إلى جيل ثانٍ لم يعشها زماناً ومكاناً فيحاول التقاطها. للشريط المصوّر نصيبه من السير الذاتيّة التي غالباً ما تحاول البحث عن تلك المساحة المفقودة والأسئلة التي بقيت من دون جواب وخصوصاً في السنوات القليلة الماضية التي تشهد نموّاً في هذا النوع من الروايات، آخرها ثلاثة ألبومات لروائيين لبنانيين، برنار بولاد (من مواليد 1959) في "حرب الآخرين"، وجوزف صفي الدين (من مواليد 1986) في "مسيو كوكو"، وقبله "يلّا باي" عن حرب 2006. الروايات الثلاث باللغة الفرنسيّة وصدرت عن دور نشر فرنسيّة.
"حرب الآخرين: شائعات فوق بيروت" لبرنار بولاد الكاتب والناشط في مجال السينما، يغامر في تجربته الأولى في الشريط المصوّر فيستعيد من الذاكرة عشيّة وبداية الحرب التي مرّ بها من دون أن تبقيه، هو المنتمي إلى عائلة اعتادت الرحيل: من بلاد الشام هرباً من المجازر الطائفيّة في 1860 إلى الإسكندرية حيث وُلد، ومنها زمن الصعود القومي الناصري بعد أزمة قناة السويس "ورحيل أصدقائنا من اليهود والمسيحيين والشيوعيين والليبيراليين" بحسب الوالدة، إلى "بيروت الدولتشي فيتا" كما يصفها في الرواية. عاش عصرها الذهبي مراهقاً ليعاود الرحيل مع العائلة بداية الحرب إلى فرنسا فكندا ليستقرّ في النهاية في العاصمة الفرنسيّة. الكتاب سيرة منتقاة لعائلة نجّار في فصلها اللبناني (الأسماء هنا كلّها مستعارة) تستند إلى ذاكرة الكاتب الذي يقرّ بأنها، وإن تضمّنت بعض التخيّلات، قائمة على وقائع حقيقيّة. عائلة يؤكّد بولاد في أكثر من محطّة علمانيّتها وسخريّتها من التديّن منذ الصفحة الأولى التي يتقابل فيها إدوار الأب صاحب مكتبة "بابيروس" في شارع الحمراء وصلاح مساعده الذي يتعبه صيام شهر رمضان. أجواؤه وأصدقاؤه من الأوروبيين واللبنانيين الفرنكوفونيين، يرفض العنف (اقتناء السلاح للدفاع عن العائلة) ويهاب العسكر (حين يدعى ابنه الأكبر إلى التجنيد). عائلة منفتحة على الثقافة مغرمة بفنون المسرح والسينما والموسيقى. ليبيراليّة يراها الكاتب في مغامرات والده النسائيّة وزبائنه من المثليين يستورد لهم كتب الجنس الممنوعة والمجلات الفرنسيّة المثيرة للجدل، كذلك في الأم عاشقة المسرح والمرتبطة بعلاقة غراميّة مستحيلة مع صديق العائلة المثليّ الذي يقع في حبّ تلميذ إيراني يغرم بدوره بابنة العائلة!  قصّة مركّبة أنقذها بولاد من الوقوع فيما نعرفه عن مسلسلاتنا الدراميّة التلفزيونيّة المبتذلة بتركيزه على البعد السياسي والاجتماعي الذي طبع مرحلة ما قبل الحرب لتلك الفئة من اللبنانيين.
 برنار بولاد متمكّن من السرد الدرامي ويدير بامتياز السرد البصري للرسّامين بول بونا وغاييل هنري، تساعده تجربته الطويلة في عالم السينما من حيث حركة الكاميرا وتقطيع الكادرات وإدارة الشخصيّات. حاضرة أيضاً في مفاصل الرواية، ما مكّنه من التقاط اللحظات الحميمة أو المواقف الساخرة ومحاولة رسم المشهد الذي كان سائداً عشيّة الحرب من نشاط ثقافي طليعي من دون أن ينسى في الوقت نفسه تأثير بروس لي الموازي. دقيق في نقل ما حفظته ذاكرته الشابة (في النص وليس في الرسم بالضرورة) من مصطلحات تلك الفترة التي اختزل أزمتها بالصراع مع الفلسطينيين وغدت أقرب إلى كليشيهات متناقضة مثل "الدولة داخل الدولة" وفي الوقت نفسه تأييده لقضيّتهم، أو رفض السلاح الفردي "طلباً للحماية في الزمن المضطرب" واللجوء إلى الجار المقاتل للحماية، أو بعض المشاهد الواعظة لدى استدعاء الابن الأكبر إلى الخدمة العسكريّة في الجنوب عن أصول بلاد الشام وضرورة مواجهة إسرائيل وفي الوقت نفسه التذمّر من تجاوزات الفلسطينيين وعدم تحرّك الجيش لوقفهم. كأن الكاتب أراد أن تتضمّن روايته كل الأحداث المفصليّة والمواقف المتضاربة التي أدّت إلى حربنا الأهليّة - وإن اقتصرت على المشكلة الفلسطينيّة - بدءاً باغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة في فردان وصولا إلى خطاب ياسر عرفات الشهير في الأمم المتّحدة محاولاً أن يقف على مسافة واحدة من الأطراف المتقاتلين بحجّة موضوعيّة جاءت في بعض الأحيان مفتعلة، محمّلاً "الآخرين" أسباب اندلاعها، ومن هنا عنوان روايته التي أرادها تحيّة لمدينة احتضنته وكوّنت شخصيّته ولا يزال يتذكّر منها لحظات مؤثّرة طبعته.
الهويّة المستعادة
جوزف صفي الدين، الروائي الشاب الفرنسي اللبناني الأصل، يذهب في منحى آخر في مقاربة الحرب التي يسعى لالتقاطها (وهويّته المركّبة ربّما) من طريق شخصيّة الأب الذي يرافقه في رواياته. "موسيو كوكو" جديده بعد "يلّا باي" و"أضواء صور"، والكتب الثلاثة عن لبنان أو حوله. رواية شفّافة ومثيرة عن رجل من الجنوب هاجر إلى باريس بعد اغتيال والده ونبذه الأقارب (خصوصاً الوالدة) لرفضه الأخذ بالثأر كما تفرض التقاليد. قطيعة جعلته يقرّر تغيير اسمه والاندماج كليّاً في مجتمعه الجديد رافضاً محاولات الاتصال به مجدّداً من أخوته الذين بحاجة إليه لتسوية أزمة العائلة الماديّة من الإرث. وحدها والدة زوجته التي احتضنته منذ لجوئه، تقنعه وهي على فراش المرض بالعودة إلى بلاده ليحضر لها دواءً من الأعشاب قيل لها إنه يشفي من مرضها القاتل. منذ البداية يدخلنا صفي الدين في تناقضات الشخصيّات بين بعضها البعض وداخل كل منها والضغوط النفسيّة على الشخص المحوري في الرواية الذي يعيش صراعاً بين هويّته المتبنّاة والأخرى الأصليّة التي يرفضها. رفض يعبّر عنه بعدم رسم الوالدة في صفحات الكتاب حتى لدى اللقاء بها، أو التحدّث بالفرنسيّة لحظة وصوله إلى المطار، وتردّده في زيارة قبر والده إلاّ بعد إبلاغه بوفاة الحماة الفرنسيّة وهو بعيد عنها، هي التي كانت بمثابة والدته، فيطلب أن يُترك وحيداً ليتلو لها عبر الهاتف وهي متوفاة (ولوالده المتوفّي ربّما) الآيات القرآنيّة المكتوبة بالعربيّة في الرواية كأنها لحظة التصالح مع الذات بعد الخسائر الكبرى.
صفي الدين بارع في كتابة السيناريو وبناء الشخصيّات أكثر ممن سبقوه من عندنا وفي اختيار العناوين، يعرف كيف يبدأ القصّة وينهيها فكرة ورسماً. حبكته الدراميّة تعطيها رسوم الفنّان الكوري الجنوبي كيونغن بارك صدقيّة وواقعيّة مميّزة، هو الذي رافقه في كتابيه الأخيرين وكان زار لبنان مرّة أولى بعد حرب تمّوز 2006 لتوثيق تفاصيل مدينة صور وسكّانها وحياتهم اليوميّة لكتاب "يلّا باي". تفاصيل بصريّة دقيقة وواقعيّة أرادها المؤلف تأكيدا للمكان والزمان ربّما ليحفظها في ذاكرته أيضاً، هو الذي لم يولد فيها ويؤكّد في كل لقاءاته الصحافيّة أصوله اللبنانيّة التي يحاول اكتشافها واستعادتها وهو شاب، بعد طفولة عاشها في قطيعة عنها.
في "يلّا باي" الذي سبقه بسنتين، يروي صفي الدين تجربة العائلة الشخصيّة التي حضرت إلى لبنان فيما بقي هو في فرنسا أياماً قبل عدوان تمّوز 2006 وكيفيّة احتجازهم في مدينة صور تحت القصف والحصار إلى أن يتمّ ترحيلهم بقوارب فرنسيّة. لحظة أخذ منها عنوان الكتاب، العبارة الوحيدة التي قالها الجدّ لابنه في وداعه على رصيف المرفأ. تجربة مريرة حاول فيها توثيق الحالات التي عاشها ناس الحصار باللامبالاة، بداية من إمكان توسّع الحرب إلى اللجوء إلى "حارة المسيحيين" فالكنيسة اعتقاداً بتفادي الضربات الإسرائيليّة وإن كان من الضحايا والدا صديق العائلة المسيحي. حال القلق القصوى التي عاشها عن بعد مثبّتاً أمام شاشة التلفزيون في باريس بعد انقطاع الاتصال بعائلته بسبب انقطاع الكهرباء ووسائل التواصل. لحظات حقيقيّة عن كيفيّة تطوّر المشاعر من حال النكران فالسيطرة إلى الهلع خصوصاً الوالدة الفرنسيّة التي أحسّت منذ البداية بفداحة الخطر الآتي ربّما بسبب عقلانيتها في مواجهة عدم تقدير للوضع من الوالد "نحن نعرف وعندنا تجربة فلا تقلقي"، تجربة شعبيّة قائمة على التمنّي وغالباً ما تخطئ. لحظات تقاطعها ومضات عن حياة والده شاباً مقاتلاً يدافع عن الفلسطينيين. التزام دفع ثمنه مغادرة البلاد واللجوء إلى باريس وتبنّي عائلة فرنسية له، يعيدنا إليها لاحقاً في خلفيّة رواية "مسيو كوكو".
إذا كان "يلّا باي" متماسكاً في سرده وحبكته الروائيّة فإن رسوم بارك تأسرنا بدقّتها وجماليّتها، من ملامح الناس الذين قد نصادفهم في حياتنا اليوميّة وفي الطرق والمقاهي المكتظة إلى اللباس وهندسة الأبنية وحال ممرّات الزواريب الضيّقة حيث يمكن التعرّف إلى كلّ منها سواء من ملصقاتها أو أسماء دكاكينها، كذلك إبراز تفاصيل الاختلاف بين الطوائف مثل ملصقات السيد حسن نصرالله والإمام موسى الصدر في أزقّة إحداها في مقابل تمثال السيّدة العذراء وشرب الكحول عند أخرى وصور القديس شربل داخل منازلها. يصوّر السوق وناسه بكل تفاصيله من بائع العربة في الشارع إلى الإسكافي في حانوته الصغير واللحام وبائع خبز الصاج أو الأفلام المقرصنة والعطورات المقلّدة وسمك السردين فالكورنيش المتنفّس الوحيد لضيق المدينة وملصقات الشهداء التي تغطي الطرق العامة إلى الذروة في مشهد الانفجار الذي وقع في الطريق المؤدّي إلى حارة المسيحيين لحظة اللجوء إلى المكان وكاد يقضي على العائلة. جميلة ومعبّرة رسوم بارك وألوانه الترابيّة التي يقول إنه ألفها حتى قبل مجيئه من خلال نشرات الأخبار التي كانت تنقل باستمرار تحقيقات عن مواطنيه ضمن قوات "اليونيفيل" التابعة للأمم المتحدة.
شرائط مصوّرة من عندنا تبحث عن هويّاتنا وتناقضاتنا في صفحات حروبنا، تقول حبّ الحياة زمن الموت في بلاد مرّ بها الأول فيما يعود إليها الثاني ليرويا لحظات وسير ناسنا والأمل الجميل الذي اجتمعا على إشاعته.

برنار بولاد وجوزف صفي الدين من عندنا ولنا لنقرأ ونتأمّل.

Friday, March 22, 2019

An-Nahar In-Transit Exhibition "ترانزيت" شرائط مصوّرة عن مأساة التهجير القسري وطلب اللجوء



أدب، فكر، فن
من جبال سنجار مروراً بالرقّة والصحراء الليبيّة إلى الغرق في النسيان
"ترانزيت" شرائط مصوّرة عن مأساة التهجير القسري وطلب اللجوء
جورج خوري (جاد) 22 آذار 2019 | 00:03

ملصق المعرض.

يلاحظ الداخل إلى معرض "ترانزيت" عن التهجير القسري وطلب اللجوء في "بيت بيروت"، أن اختيار المكان بما يفترض أن يحمله من معانٍ لذاكرة حرب مضت بمآسيها وعنفها المحفورين في المبنى، أضاف إلى مضمون الشرائط المصوّرة إحساساً بالرهبة والتأمّل. بيروت التي عاشت أهوال حرب أهليّة تعرض رسوماً وقصصاً حيّة في غالبها لناس ليسوا منها ويشبهون ساكنيها أجبرهم العنف غير المسبوق حجماً على النزوح من أراضيهم. قصص حيّة لمئات الألوف من البشر، من أعالي جبال سنجار في العراق مروراً بالمدن السوريّة المدمّرة وصولا إلى الصحراء الليبيّة ومنها إما غرقاً في مياه البحر الأبيض المتوسط وإما التوقف أمام حائط الحضارة الغربيّة التي ترفض استقبالهم.

الحدث من تنظيم مبادرة الجامعة الأميركيّة للشريط المصوّر العربي التي تعنى بتوثيق بحوث وحفظها ونشرها، لها علاقة بهذا الفن الخارج في منطقتنا من قمقم أدب الأطفال. المعرض رافقته ندوة أكاديميّة بعنوان "التهجير القسري وطلب اللجوء في الشريط المصوّر"، أعدّتها الفنّانة والأكاديميّة لينا غيبة، مديرة المبادرة والقيّمة على المعرض في الآن نفسه، بمشاركة باحثين ومتخصّصين محليّين وأجانب يعنون بفن الشريط المصوّر، إضافة إلى فنانين ورسّامين عملوا على الموضوع بينهم أسماء بارزة لفنّانين أوروبيّين وأميركيّين وعرب ومن اللاجئين أنفسهم، اجتمعوا في يوم طويل لعرض بحوثهم أو تجاربهم عن أسباب الهجرة، أخطار الانتقال من بلد المنشأ وأهواله، والصعوبات التي يواجهها هؤلاء في بلد الوصول... إذا وصلوا.

"ترانزيت" التهجير وطلب اللجوء.
غزارة الإنتاج الغربيّة التي بدأت تبرز منذ سنوات خمس وتتناول موضوع التهجير واللجوء، أثارته بالتأكيد المأساة السوريّة التي تجاوزت حدودها إلى العالم وخصوصاً أوروبا. وقد يكون مردّه أيضا إلى أن القارة الأوروبية أرادت تخليد الذكرى المئويّة للحرب العالميّة الأولى، فنشطت مؤسساتها الثقافيّة والفنيّة خصوصاً في مجال الكتاب والشريط المصوّر تحديداً لما يملكه من قدرة الرسم على إعادة الصياغة البصريّة لمرحلة لم تكن التقنيّات البصريّة متطوّرة بما فيها التصوير الفوتوغرافي أو لندرتها بما يمكن العودة إليه من وثائق يُبنى عليها. ومنطقتنا كانت من ساحات النزاع الدمويّة الكبرى التي أودت بالأمبراطورية العثمانيّة ورسمت بالدم والنار والتهجير والمجازر ما نحن عليه اليوم. وكأن دور النشر أيقظت من حيث لا تدري شياطين الماضي الذي لم تندمل جراحه بعد.
موللي كرابابل، الفنّانة الأميركية والناشطة السياسيّة، حضرت ومعها كتابها "أخوة السلاح" الذي وضعته عن مدينة الرقّة السوريّة بالتعاون مع الناشط السوري مروان هشام الذي خاطر بالعيش في "عاصمة الخلافة" تحت حكم "داعش" ناقلاً تفاصيل الحياة اليوميّة وهواجس عيش مواطن في ظلّ إيديولوجيا قائمة على الإلغاء الوحشي للآخر. كذلك رافق الفنان الألماني أوليفييه كوغلر، الذي كان أحد المحاضرين، رسوماته التي وثّقت في كتاب "الهروب من الحروب والأمواج" لحساب منظمة "أطبّاء بلا حدود"، حياة لجوء السوريين في مخيّمات

 
موللي كرابابل والعيش في الرقّة تحت "داعش".

 دوميز شمال العراق وكاليه في فرنسا وكوس في اليونان. عمل توثيقي بالريشة واللون لأدقّ تفاصيل
الحياة اليوميّة، نقلها من خلال لقاءاته التي كنا نتمنى لو أنه ذهب بها إلى أبعد من مجرّد النقل كما فعلت الفنّانة البريطانيّة النسويّة الناشطة كايت إيفنز في كتابها "خيوط" عن اللاجئين في مخيّم كاليه وحملات التبرّع التي قامت بها شخصيّاً لمساعدتهم. إيفنز ذهبت أبعد من التحقيق والتوثيق لإثارة أسئلة وجوديّة حول الهويّة ومدى التحدّي الذي يواجه الفكر الليبيرالي الأوروبي أمام أزمة حضاريّة وأخلاقيّة لم يواجه مثلها منذ الحرب العالميّة الثانية. جو ساكو الرائد في مجال التوثيق والشريط المصوّر السياسي، كانت رسوماته عن فلسطين أيضا معلّقة، وإن اعتذر عن عدم الحضور.


                     




أوليفييه كوغلر وتوثيق اللجوء.                                                                                         "زنوبيا" لحظات اللجوء الأخير.

خارج السياق التوثيقي للمأساة، يتساءل الفنان الدانماركي لارس هورنمن في "زنوبيا" عمّا يمكن أن يجول في ذهن الفتاة الصغيرة أمينة، في لحظات غرقها بعد انكسار الزورق الذي كان ينقلها إلى الضفة الأخرى من المتوسّط. القصّة تبدأ من لحظة الغرق وتنتهي بالغياب في أعماق البحر وبينها ومضات من حياتها القصيرة وخصوصاً قصّة زنوبيا التي كانت أمّها تحكيها لها قبل النوم والتي انتظرتها لتنقذها لكنها لم تأتِ. كتاب شاعري قوي يتميّز بقوّة بساطة الرسم واللون، وغياب الثرثرة والوصف والحوارات. صفحات تأخذنا إلى اللحظات الأخيرة لفتاة صغيرة من سوريا تنتهي في عالم الصمت والنسيان في أعماق البحر.
المشاركة العربيّة واللبنانيّة كانت حاضرة بدورها وإن بخجل. وهو سؤال يطرحه المعرض وإن غير مباشرة عن أسباب قلّة الإنتاج من بلادنا لمأساة هي في الأصل عنهم وتعنيهم. من لبنان "بكرا إنشاالله" وشهادات لاجئين سوريين ورسومات للينا مرهج وكمال حكيم ونور حيفاوي والفنانة السوريّة ديالا برصلي اللاجئة بدورها في فرنسا اليوم. الكتاب عودة إلى توثيق العيش في مخيّمات اللجوء ومراكزه المنتشرة عشوائيّا في بلدنا والمعاناة المرافقة. هذا الإصرار على التوثيق يبدو كأنه مطلوب من الناشرين وهم في غالبهم منظمات غير حكوميّة تسعى ضمن مهامها إلى التوعية، محدّدة بذلك الخيارات أمام الفنّانين في تناول الموضوع خارج إطار ما أصبح اليوم صنفاً قائماً بذاته يعرف بـ"الشريط المصوّر التوثيقي" (BD Reportage). رسومات أيضاً لزينة أبي راشد من "أتذكّر بيروت" وهجرتها القسريّة إلى باريس هرباً من الحرب، فيما كان أجدى لو تضمّن المعرض رسومات من كتابها الأخير "لجوء" الذي ساهمت في رسمه والذي يتناول تحديداً موضوع العلاقات الحميمة التي تغلبها الأعراف الاجتماعية والفروقات الثقافيّة. في الأولى علاقة حبّ بين امرأتين في أفغانستان البوذية عشيّة الحرب الثانية، وفي الأخرى لقاء حبّ لا يكتمل بين لاجئة سوريّة من حلب وشاب ألماني في برلين اليوم.
الثنائي التوأم هيثم ومحمد السحت، "توينز كارتوون"، من مصر، قارب موضوع التهجير القسري من زاوية مختلفة لقصّة شعبيّة "هدهد الغصن" على خلفيّة تهجير سكان النوبة في مصر من قراهم من أجل بناء السدّ العالي الذي اعتبر من أهمّ إنجازات المرحلة الناصريّة وتفوّق الفكر القومي العربي. موضوع حسّاس كان من الممنوع تناوله من هذه الزاوية في وسائل الإعلام أو الكتابات في مصر حتى اليوم. كذلك انفرد رسّامو محترف "مخبر 619" التونسي بمقاربة موضوع اللجوء من زاوية سردية شخصيّة أقرب إلى المحاكاة الشعرية منها إلى التوثيق، باستثناء الفنان اللبناني برّاق ريما الذي فاجأنا باقتصار مشاركته على عرض مملّ لإحصائيّات وأرقام ومعاهدات تعنى بالهجرة يمكن أن نجدها في أي موقع للاجئين تابع للأمم المتّحدة. بعض رسوم كتاب "الهجرة" ونصوصه ستبقى محفورة في الذاكرة خصوصاّ للثنائي كمال زاكور (الجزائر) وعبير قاسمي (تونس) في "الرحلة الأخيرة"، وهي شاركت الفنان التونسي معزّ طابيّة في "البئر". "هربت من الجحيم" للفنان الجزائري سيد علي دكار، يتميّز أيضاً بقوة الرسوم التعبيريّة والنص الذاتي الذي تقوم عليه مشاركته. 

كمال زاكور وعبير القاسمي، حين تضيع الخطوط في الصحراء.
المعرض واضحٌ توجّهه الأكاديمي في تناول موضوع اللجوء. تثقيفي دون ادّعاء التحليل أو فتح نقاشات في السياسة والعلوم الاجتماعيّة لمواضيع مثل الذاكرة وعدم النسيان وأزمة الهويّة أو الاندماج أو الصدمة الوجوديّة لهؤلاء اللاجئين وقت تهجيرهم إلى وصولهم إلى مجتمعات وبيئات تتناقض وثقافاتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم.
واضح أيضاً تركيز الجزء الأكبر من المعرض على المأساة السوريّة دون سواها على رغم أن موضوع التهجير القسري والمجازر المرافقة أو المسبّبة له، كان من أكثر المواضيع في إنتاجات السنوات الخمس الأخيرة للشريط المصوّر وبينها تلك المتعلّقة ببلادنا. مذابح وتهجير الأرمن "ميدز ييريغ" (2014) "أوراق الورود" (2013) و"الشبح الأرمني" (2015) غائبة، كذلك ما تعرّض له المسيحيّون المشرقيون قبل الحرب الأولى وخلالها وبعدها "أيفالي" (2015)، أو الأقليّات في السودان أو الإيزيديّون "يو أن 3" (2018) أو ما تتعرّض له الأقليات الدينيّة والعرقيّة اليوم في منطقتنا "أقليّات إلى زوال" (2017)، أو تلك التي أجبرت على الرحيل من مصر الناصريّة "الأسكندريّة، لن أنساك" (2018) أو الجزائر بعد الإستقلال "صمت لونس" (2013) و"حفيد الجزائر" (2015)، وغيرها من الشمال الأفريقي. ربّما لأن غالبية هذه الإصدارات كانت باللغة الفرنسيّة ولم تصل إلى العالم الناطق بالإنكليزية الذي تمثّله الجهة القيّمة على المعرض، أو ربّما لأن ثقافتنا القوميّة العربيّة الجامعة لا تزال هي الطاغية على ما عداها من ثقافات لأقليّات تطمح للاعتراف بتمايزها.
شيء واحد أكيد أن المعرض أعاد إلقاء الضوء على أكبر مأساة إنسانيّة في قرننا الحديث بدأ يشوبها النسيان وبتنا نتلقّاها بملل لطغيان الجدال السياسي حولها، وكأن لينا غيبة أرادت التذكير عبر فن الشريط المصوّر، بأن المعني الأول بالمأساة هم ناس لديهم أسماء، ومهجرون من قرى ومدن لها أسماء ويرحّلون قسراً إلى حدود نعرفها بالاسم، فعلّقتهم على جدران "بيت بيروت" وفي المدينة التي من قدرها أن تحفظ عن محيطها الذكرى وألا تنسى.

Sunday, November 25, 2018

"كايروكوميكس" الرابع يُعاند الحصارَ وتراجعَ الدور الجامع

"كايروكوميكس" الرابع يُعاند الحصارَ وتراجعَ الدور الجامع



أدب، فكر، فن

"كايروكوميكس" الرابع يُعاند الحصارَ وتراجعَ الدور الجامع

 "بشرة زرقاء" وعودة إلى "النقطة صفر" ربّما تحمل الخلاص

القاهرة – جورج خوري (جــاد) 26 تشرين الثاني 2018 | 00:02




 

"إحنا بنزيد والفلوس بتشِحْ". عبارة لسائق تاكسي تتكرّر بأشكال مختلفة عند الجميع. وإذا سألتَ عن عنوان متحف محمود مختار للفن الحديث تواجَه بعلامة استغراب، فتوضح "نادي القاهرة الرياضي" الملاصق للمتحف فيتبرّع الجميع للإرشاد. ملاحظتان تختصران حال القاهرة 2018، من ضائقة مالية يرافقها تراجع الاهتمام بالثقافة لدى الباحثين عن لقمة العيش. هي أيضا ظروف النسخة الرابعة لمهرجان "كايروكوميكس" للشريط المصوّر الذي خرج من حرم الجامعة الأميركيّة في ساحة التحرير إلى فضاء متحف وطني. كأن المنظمين أرادوا الخروج من النخبوية إلى العامة، وإن شكلاً، وتأكيد استقلالهم عن سياسات المراكز الثقافيّة الأجنبيّة وإعلان خصوصيّتهم المحليّة وسط تراجع الدعم المالي وغياب الاهتمام الشعبي.

"كايروكوميكس" الرابع الذي كرّم السنة الفنّان المصري-اللبناني معلوف من الجيل الثاني لرسّامي الشرائط المصوّرة والمعروف بابتكاره شخصيّة "بومبة" الفتى المشاكس، تميّز بعناد المنظمَين (مجدي الشافعي ومحمد الشنّاوي) في الاستمرار وسط أزمة تمويل خانقة عكست نفسها في تراجع الإنتاج المحلّي وضعف حضور الخارج. عناد في إبقاء مكوّنات المهرجان من معارض فرديّة ولقاءات حواريّة وورشات عمل ومسابقة رسميّة، وإن تراجعت كمّاً ونوعاً ومساحة (صالة واحدة للمعارض الثلاثة المقدّمة). وحده الجهد الفريد لمحمد الشناوي في الحفاظ على الهويّة البصريّة التي امتاز بها المهرجان منذ نشأته، استطاع التغطية على الفجوات والتراجعات في التنظيم والمضمون. بالعكس، فإن المتجوّل في "سوق الكوميكس" عند الممرّ الداخلي للمتحف يُفاجأ بكثرة الزائرين من جيل الشباب، خصوصاً في الحفل الختامي الذي استضاف فرقة "دعسوقة" الموسيقيّة رافقها رسماً الفنّان مخلوف المساهم الصامت، بما يذكّر بانطلاقته في سنته الأولى قبل تراجع تدريجي في الإقبال، بما يؤشّر إلى استمرار حضور هذا الفن في أوساط هذه الفئة العمريّة. لكن هذا الحضور جاء مناقضاً للمشاركات من خارج مصر التي كانت خجولة إن لم تكن غائبة، وهو ما لم نعتده من المهرجان الذي فرض نفسه الملتقى الأكثر تعبيراً وتمثيلا للشريط المصوّر العربي الحديث.


قليلة هي الإصدارات من الروايات المصوّرة، بالمقارنة مع السنوات السابقة، والمعروض في "السوق" عند مدخل المتحف اقتصر غالبا على فنانين وكتّاب مصريين، وسط ظاهرة جديدة من الروايات الغربيّة المترجمة الآتية هذه المرّة من وراء سور الصين التي لا نعرف اهتمامها المفاجئ بسوق كتاب عربي. لافتٌ أيضاً غياب المنشورات العربيّة الصادرة حديثاً، التي نجدها في أسواقها المحليّة من دون مغادرة حدودها. المغرب العربي شبه غائب بإصداراته وفنّانيه. لبنان الذي وإن غاب كثير من كتبه (بسبب اللغة الفرنسيّة لمعظمها ربّما) ولم يشارك ناشروه المستقلّون في السوق، كان البلد العربي الوحيد الحاضر بناسه عبر وفد من طلاب الجامعة الأميركية في بيروت الذين انتقل صفّهم إلى القاهرة مع أستاذتهم لينا غيبة والفنان فؤاد مزهر وفي رعاية مبادرة الشريط المصوّر العربي التابع للجامعة، والحضور الفاعل للفنانة الناشطة رواند عيسى التي اقتحمت المشهد المصري إنتاجاً ومشاركة في ندوات وورشات عمل مذ قرّرت الاقامة لسنة كاملة.

غياب الجوار بدا كأنه تراجع لـ"كايروكوميكس" عن دوره العربي الجامع لحركة انطلقت من عنده مع بدايات الثورات العربيّة وانتشرت سريعاً لتشمل بلاد المشرق والمغرب على السواء حيث نشأت شبكة تواصل بين مجموعات الفنانين المنتشرين في الأقاليم تؤازر بعضها وتتضامن وتدافع بقوة عن هذا الفن الجديد الذي خرج أخيرا يعلن استقلاله فناً وإنتاجاً وسوقاً، وإذا بها اليوم تتقوقع داخل حدودها الوطنيّة وتسعى كل واحدة منها وراء أجندتها الخاصّة. أيام المهرجان غابت عنها بشكل لافت أسماء فنّانين مصريين بارزين بما يوحي بوجود تناقض في الاتجاهات بين مؤسسي الحركة الحديثة مثل "كوكب الرسّامين" بقيادة هيثم ومحمد رأفت السحت ومن يدور في فلكهما وأخرى طليعية مثل ميغو والفنان أنديل الذي قرّر اللجوء خارج البلاد هرباً من المضايقات. الغياب العربي يعود أيضاً إلى تراجع الموازنة المخصّصة للدعوات. فمن جاء من الخارج من الفنانين الأجانب، وهم قلّة أيضاً، استقدمتهم مراكزهم الثقافيّة التي اقتصرت مساهماتها على دعم عينيّ كتقديم صالة لورشة عمل (مركز ثرفانتس الإسباني) أو مكان لاستضافة عمل لجنة التحكيم (المعهد الفرنسي) فيما انسحبت أخرى عن مشاركتها السنويّة (معهد غوته) تاركةً المنظِّمين لتدبّر أمورهم.


في هذا السياق شاركت الفنانة الفرنسيّة لوسي كاستيل ومعها كاتبا السيناريو غريغوري جاري ونيكول أوجيرو في المعرض الذي رافقهم وضمّ رسوماً أصليّة من "رحلة في مصر والنوبة لجيوفاني بيلزوني" المستوحاة من رحلات العالِم الإيطالي الذي اكتشف آثارا نقلت إلى مدن أوروبيّة عدّة. وتقول كاستيل إن استخدامها لرسوم أصليّة لفنّانين من جيل المستشرقين في عملها هو "محاولة وإن رمزيّة لإعادة الآثار المسلوبة إلى موطنها الأصلي وتوزيعها على كل القرّاء في العالم". أسلوبها جمع بين الرسم الحرّ وتقنيّة الحفر الكلاسيكيّة، ما منح العمل فرادة في الشكل. وانضمّت إلى الفنان الإسباني ألبارو أورتيث (أشرف على ورشة عمل أثناء المهرجان) في إحياء المحطّة اليوميّة لـ"الفنّان يعمل" أحد أبرز محطّات المهرجان، وهو تقليد سنوي أصبح علامة فارقة أصرّ المنظمون على إبقائه ويقوم على أن يرسم الفنّان أمام الجمهور لتعريفه إلى تقنيّاته الخاصة وطرق معالجته للشريط المصوّر من زاويته.


      


الجديد العربي المطلّ من بوّابة القاهرة كان الفنان الأردني لطفي زايد الذي استضافه المهرجان في معرض وحوار مع الجمهور وجاء حاملاً معه العدد الأول من مجلّة "فنزين" التي انضمّت والفنّانين المشاركين فيها إلى قافلة المجموعات الرافعة رايات الحداثة والتجريب في الشريط المصوّر في عالمنا. الفكرة انطلقت بعد ورشة عمل أقامها الفنان الأميركي بيتر كوبر مؤسس المجلّة التجريبيّة "الحرب العالميّة الثالثة" في عمّان واستمرّت بإنشاء المجموعة التي حملت إسم المجلّة وضمّت من الفنّانين في صفحاتها العربيّة هبا واصف، هيا حلاو، رنا جريس، إبراهيم عواملة، خالد نهار، سامان سرهنك ولطفي زايد. يتميّز عمل زايد بأسلوبه البسيط القريب من الطفوليّة تزيّنه ألوان زاهية خادعة تتناقض دائماً مع المضمون الذي يحمل في الغالب نهايات عنيفة وصادمة. رسالة وقحة ضد الخطاب الخشبي والتقاليد البالية بسخريّة سوداء يبرع في اختصارها بصفحة واحدة.

 

جائزة لجنة التحكيم الكبرى نالها محمد صلاح من مصر، الفنان الشاب الذي بدأ يتألّق في مجال الرواية المصوّرة القصيرة، وها هو يحصد بعد سنة من حصوله على جائزة محمود كحيل 2017 جائزة المسابقة الرسميّة عن روايته "الدليل الاسترشادي المرسوم لأصحاب البشرة الزرقاء". يتناول صلاح موضوع الآخر المختلف ومعاناته داخل محيط من لون واحد ونظرة هذا المحيط الرافض التمايز. عبر تقنيّة بدت أكثر مراساً وأسلوب خاص كان بدأه تقليديّاً فذهب به إلى التجريب، وصل إلى امتلاك لغته البصريّة الخاصّة وتعبيرية سرديّة ابتعدت عن الثرثرة الكلامية متبنّياً مثل أبناء جيله حروفيّة متحرّرة من القوالب تنسجم وأسلوبه في الرسم.

إلى محمد صلاح فاز عملان آخران في المسابقة الرسميّة التي استبعدت الأعمال غير الناطقة بالعربيّة على أهمّيتها، وهنا تذكير بعمل الفنّان الجزائري المميّز سليم زروقي "كيفيّة التخلّص منّا من أجل عالم أفضل". وكأن المنظمين أرادوا توجيه رسالة واضحة إلى الفنّانين الشباب بأن استمرار الحركة الحديثة وتمايز موقعها على الخريطة العالميّة مرتبط بهوّيتها اللغويّة وتوجّهها إلى مجتمعاتها قبل غيرها وإن كان بعضها يتميّز بازدواجيّة لغويّة وثقافيّة مثل لبنان أو تونس. من مصر أطلّ الفنّان "توفيج" أكثر الفنانين الشباب خروجاً عن المألوف أسلوباً ومضموناً في سلسلة "توفيجيّات"، ومن تونس الثنائي كمال زاكور (رسم) وعبير قاسمي (سيناريو) عن "نقطة صفر". ثنائي من مجموعة "مخبر 619" التونسيّة المتميّزة بتجربتها الاختباريّة. سيناريو استبعد الحوار أساساً للعمل ورسوم متمرّسة في السرد البصري وأسلوب متمكّن يحاكي العالميّة. عملان لافتان لم يلقيا حظوظاً وجب ذكرهما. الأول "خنزؤووور" للفنان الناشئ محمد السيّد (مصر) لشخصيّات تحاكي الحياة المصريّة عبر "خنزير وديك وكيوبيد بما يحملونه من تناقض في رمزيّتهم تشبه التناقض الذي أشاهده في واقعي اليومي". أسلوب رسم استفزازي يذكّر بـ"الأندرغراوند" الأميركي ومضمون وقح وصادم لمجتمعاتنا ومحرّماتها. أما المشاركة الثانية فهي للفنان معزّ طوبية من تونس بعملين "العمارة" و"أمل" يتناولان بنقد حادّ فكر التيّارات السلفيّة وممارساتها ومحاولات تأثيرها في المجتمع خصوصاً في تونس التي لا يزال التيّار العلماني يتصارع فيها مع الإسلاميين.

"كايروكوميكس" الرابع عاند في أيّامه الثلاثة الضيق والحصار وتَفرُّق فنّاني الانطلاقة الأولى سواء بسبب الاختلاف أو الهجرة أو انكفاء المجموعات العربيّة المساندة داخل أوطانها. وإذا شكّلت النسخة الحاليّة تراجعاً عن الدور العربي الجامع فإنه وبعصا الشافعي والشنّاوي السحريّة استطاع إبقاء الدور المتميّز للقاهرة في عالم الشريط المصوّر العربي.

دور ربّما وحدها مصر تستطيع استعادته ولعبه، وإن بعد حين.