Showing posts with label Mulhaq Nahar. Show all posts
Showing posts with label Mulhaq Nahar. Show all posts

Saturday, February 3, 1996

Modernism "Evil" »شرُّ« الحداثة والعجز عن مواكبة التغيير


»شرُّ« الحداثة والعجز عن مواكبة التغيير
غالباً ما تُطالِعُنا الصفحات الثقافيّة في المجلاّت والصُحُف بمُقابلات مع مُثقَّفين أو فنّانين أو أدباء أو مفكّرين -وهنا،أي في المكان الذي نحن فيه يُمكن أن تكون الهويّة المهنيّة متداخِلة، أو بمقالات نقديّة -والأصحّ أنّها إنتقاديّة لعدم صلتها بالنقد بأي علاقة ولا تمرُّ المناسبة من دون الحديث عن »الحداثة« -وفي الأغلب عن مساوئها والتبرّؤ منها وكأنها شرٌّ مطلَق سقط الجميع فيه أيّام الشباب. ويجهد هؤلاء في »استحضار« تعابير مأخوذة في الغالِب من لُغة الماضي الثقيل وابتكار مفردات وجُمَلٍ -شعريّة أو سياسيّة في غالبِها لإظهار مساوىء هذه »الحداثة« رابطين إيّاها بالـ»تقدُّم التكنولوجي«الذي يخافُه الجميع والذي بات عندنا مُرادِفاً لـ»سلاح غربي جديد« للسيطرة على مجتمعاتنا »البريئة والمُقتنعة بحالِها«، مُبشّرين عن غير قَصدٍ منهم رُبّما -كي لا نُحاسِبَ النوايا بأن التمسُّكَ بـ»الأصالة والتراث والهويّة المحلّيّة«  هو السلاح ضد »وحش التكنولوجيا« الآتي لافتراسنا أو أن »القديم الثابت والمألوف« يحمينا من قيام »مملكة هشاشة« تقضي على ما بقي  ... والمُلفِتُ في هذه الرومانسيّة الشعريّة والعاطفيّة أنّها لم تحاول مرّة أنّ تُقدِّمَ لنا -عقلانيّاً ما تَفهمُه بالـ»حداثة« أو ما هي طبيعة وحقيقة هذا »الوحش« المُسمّى بالتكنولوجيا وصورته الأكثر شيوعاً الكمبيوتر... الذي بات الشيطان الواجب رَجمُهُ.
الخطأ الذي تقعُ فيه هذه الكثرةُ  من المُثقّفين -لأنها ليست قلّة أنها تضَعَ التقدُّم العلمي للإنسان القاصرة عن إدراكه -وإن كان من نتاج مُجتَمَعٍ معيّن في مُقارنة مع الهوّية الإجتماعيّة والثقافيّة والدينيّة لمُجتَمَعٍ ما... وكأن هويّتنا الشرقيّة تضيعُ إذا استخدمنا مثلاً سيّارة صُنع اليابان -ملاحظةهي بلاد شرقيّة أو أوروبا أو غيرها... أو كأننا نُصبِحُ تابعين للـ»غول« الأميركي -وهو غول في أي حال إذا اقتنينا جهاز تلفزيون من صنعه... صحيحٌ في أيّ حال أن استخدام هذه التكنولوجيا الجديدة يؤثِّرُ على نمطٍ في الحياة، وعلى طُرُقٍ  في العيش -أي العادات وليس الهويّة،فمن ينطلِقُ إلى عمله في السيّارة ليس مثل الذي يتوجّهُ إليه بفرسه، ومن يُخاطبَ الآخر في الهاتف ليس مثل الذي يضطرُّ للمناداة من فوق السطوح، وهذه كلُّها عناصر متغيّرة غير ثابتة... لكن هذا التقدُّم الذي يؤثِّرُ في العادات ويغيِّرها لن يؤثِّر ،إلاّ إذا أردنا، على القيم والمقاييس الأخلاقيّة والدينيّة والسياسيّة لجماعة في ما تُشكّله في ذاتها من إطار للهويّة... فالتكنولوجيا أداة لا أكثر، وهنا بيت القصيد ...
الخطأ الثاني، عدَمُ إدراك أن التطوّر العلمي للإنسان الذي ابتكرنا له تسمية التكنولوجيا في أيّامنا هذه لتمييزه عمّا سبقه من تطوّر في عصور سابقة، كان مُرادِفاً لتطوّر الإنسان عبرَ التاريخ إذا لم يكُن المُحرّك الأساسي له، إلى أيّ مجتمعٍ انتمى إليه هذا الإنسان. حيثُ ترافق  في كلّ مرّةالانتقال من مرحلة إلى أُخرى مع اكتشافٍ علمي جديد -إذا كان استخدام النار اليوم من بديهيّات الحياة، فأنّه لم يكُن كذلك في العصور القديمة حيثُ يُمكن القول أن اكتشافَهاُ تطوّر تكنولوجي بمقاييس التطوّر آنذاك... وسياق التطوّر نفسه شهدته المراحل  الفنّيّة التي يُمكنُ تقسيمها استناداً إلى التطوّر التكنولوجي -عُذراً من الفنّانين فالمقصود ليس الإنتقاص من رومانسيّتهم ... فالجداريّة أوجدها انتقال الإنسان من المغارة إلى العمارة واكتشاف تكنولوجيا جديدة غير البدائيّة، واللوحة اقتضتها ضرورة التنقُّل فأوجدت »التكنولوجيا« الحلّ بلوحة يُمكنُ نقلُها... و في المدارس الفنّيّة المُعاصرة، بدأت ثورة الإنطباعيين مثلاً مع بداية تصنيع الألوان في أنابيب، إلخ... حتى أنّ نشأة الفنون الحديثة البصريّة -التصوير الفوتوغرافي والسمعيّة-البصريّة -السينما والتلفزيون وغيرهاوتطوّرها ارتبطتا بالتطوّر التكنولوجي... الفارِقُ الوحيد هو المدّة الزمنيّة التي لزمت لاستيعاب التطوّر التكنولوجي في كلّ مرحلة وبالتالي القبول به... وإذا اقتضى الإنسان الأمر ألوف السنين للإنتقال من العصر الحجري إلى العصر البرونزي، فلم يحتج إلى أكثر من بضع مئات من السنين للإنتقال من التكنولوجيا الميكانيكيّة إلى التكنولوجيا الميكانيكيّة-الكهربائيّة واستيعابها والقبول بها... وفي كلّ مرّة كان العقل البشري الجماعي العام يستوعِبُ التطوّر التكنولوجي المحيط به... وهذا التطوّر لم يُصبِح مشكلة  إلاّ حديثاً مع الأنقطاع في التواصل بين التطوّر التكنولوجي السّريع -الألكتروني هذه المرّة والقدرة الجماعيّة للمجتمع -وللفرد على استيعابه وقبوله أيضاً...
وهنا جوهر مشكلة مثقفّينا... فالكمبيوتر-التكنولوجيا الألكترونيّة اليوم مثله الرّيشة التي يستخدمها الفنّان -تكنولوجيا الأمس من صنع الإنسان وليس الطبيعة، يُمكن أن تكون أداة للخلق والإبداع -إذا استخدمها فنّان،كون الأبداع في اللوحة وليس في الريشة وفي الصورة المبتكرة على الكمبيوتر وليس في الماكينة بذاتها...لكن الفارقَ أنّ الريشة غير غريبة عن عالم أي فرد في المجتمع -وخصوصاً المثقّفومقاييس ما تُبدِعُه من مكتسابته التي استوعبها عبر الزمن، فيما الكمبيوتر غريبٌ فعلاً عنه والوصول اليه هو كالبدء من الصفر... الفنّان يعرِفُ ريشته وألوانه ويتمكّنُ منها، والناقِدُ يعرِفُ مادّة هذا الفنّان ويمكنه التعامل ومقاييسها، لكن الأثنين لا يعرفان الأداة الجديدة وألوانها الضوئيّة ولا مقاييسها الجديدة -بداية تراجُع في المعرفة التقنيّة... فأصبَحَ الفنّان -الأديب، الناقد، أو أيّ مثقّفٍ آخر عاجِزاً عن مواكبة  اللغة »الحديثة« والمعرفة الجديدة في وقتٍ كان هو في طليعة الداعين إليها... وما يزيد في المشكلة  أنه كما أنّ لكلّ مرحلة -وتكنولوجيا فلسفة جديدة تعيد النظر في كلّ شيء بما فيها طرق الحياة والتفكير واللغة والمقاييس، فأن الأنقطاع بين المثقّف عندنا وهذه الفلسفة والرؤية الجديدة جعلت منه متخلّفاً عن مواكبة هذا التغيير الجذري وهذه اللغة الجديدة.... فهو بالكاد استوعب الثورة الصناعيّة وإذا به أمام ثورة تكنولوجيّة أخرى لا تواصل لها مع ما سبق أن عرفه أو خبِرَه... وبات أمام موقف من إثنين إمّا العودة إلى تأهيل نفسه من جديد لمواكبة التغيير، أو -وهذا الحلّ الأسهل المُتَّبَع عندنا التقوقُع في ما يعرِفُه من مسلّمات ومقاييس والإستمرار في ما هو عليه وتبرير هذا الأستمرار -والتبرير من أهمّ اجتهادات مُثقَّفينا إذا لم يكُن الإجتهاد الوحيد...وهنا تُصبحُ الحداثة »شرٌّ« يتهدّد الكيان -كيان المُثقّف وليس المجتمع والمكانة والمركز الإجتماعيين وبات من الواجب محاربتها بعدما كانت قبل الإنقلاب التكنولوجي مقياساً للتقدُّم و»الوجاهة« الفنّية والفكريّة والتعالي على المجتمع المحيط...
المشكلة الأخرى -وما أكثر مشاكل مُثقّفنا، أن المفهوم الحديث للحداثة -ليس في الواقع حديثاً كونه يعود إلى عقدٍ من الزمن مرتبط بعنصرٍين جديدين أدخلهما التطوّر التكنولوجي هما عنصر الزمن المتحرّك -وهو مايجهله مثقفّونا ربّما لتوقُّفِ الزمن عندنا والمفهوم الحديث للصورة -ونحن أهلَ خطابة أعداء مزمنين للصورة... فمقياس التفريق بين »الحرفة« و»الفن« مثلاً أصبح نسبيّاً ومرتبطاً بالتطوّر الزمني، وما يُطلِقُ عليه مثقفونا اليوم تسمية »حرفة« كان في وقت من الأوقات »فنّاً رفيعا«... حتّى أنّ اللغة اختلفت مع إدخال مفهوم الصورة image على ما تبتكره الفنون سواء كانت لوحة أو منحوتة أو مشهداً مسرحيّاً أو صورة فوتوغرافيّة إلخ... وبدل كلمة فنّان المرتبطة أساساً بالفنون اليدويّة باتت التسمية الأقرب اليوم إلى الواقع الجديد هي »المبدع« CREATOR أو »صانع الصور« IMAGE MAKER،. وانفصَلَ الفنّان عن الصنعة أوالحرفة التي يُتقنها وبات مطلوباً منه الإبداع والخلق وإن نفّذ آخرون تقنيّون ما يُريده -نعطي هنا مثال المخرج السينمائي...فمهمّته  باتت في مجال الإبداع -وليس المهارة اليدويّة في ابتكار »صورة« جديدة نابعة من »فكرة« جديدة و»موقف« جديد... وهكذا باتت الحداثة مرتبطة بالجديد الذي يبتكره الفنّان سواء استعان بالكمبيوتر أو بأي أداة تقليديّة أخرى... وهنا يتقدّم فنُّ الكمبيوتر رُبّما على غيره من الفنون كونه أداة جديدة تُعطي صوراً جديدة تَفتَحُ أمام الإنسان آفاقاً ورؤى جديدة... وهنا تبرُزُ المشكلة الأكبر، في عدم تواصل مثقّفينا مع الأجيال الآتية من عالم التكنولوجيا الجديدة  ولغتها وفلسفتها وطرق عيشها ومقاييسها... فالأثنان يتكلّمان لغة مختلفة... وإذا كان الصراع بين الأجيال قديماً قِدَمَ الإنسان فهو لم يشهد تباعداً لغويّاً على الأقلّ بينها، وهو ما يحصَلُ اليوم سواء في الموسيقى أو الأدب أو الفنون -من لديه أولاد بين مثقّفينا يُدرِكُ انقطاع التواصُل ... وكأن مثقّفنا استقال من مهمّته مُفَضِّلاً عليها اللعبة الاجتماعيّة-السياسيّة -ألم تكُن الثقافة دوماً دعوة إلى رؤية مختلفة، وإلى تفكير مُختلف وحياة ذات آفاق جديدة؟ أو أنّه لم يستوعب من الأساس »الحداثة«  فعلاً على رغم تبشيره لنا بها سابقاً واعتقد أنّه بفهمه العاطفي لها -مع أنّها مفهوم عقلاني بات مهيّئاً لدخول العصر الحديث -بعد غفوة قرون ومهيّئاً لمخاطبة المجتعات الأخرى ومستقبل القرن الآتي وإذا به بعيداً  حتى عن ثقافة الصورة لقرننا هذا الآيل إلى نهايته؟
 الحقيقة أنّ حضارة جديدة بدأت وإن كانت معالمها وأسسها غير محددّة نهائياً بعد، وهناك محاولة لم تتّضح بعد لبناء»نظام عالمي جديد« -ربّما غيرُ ما تدعو إليه الولايات المتّحدة ينقلنا إلى الألفيّة المقبلة...العالم حولنا يتغيّرُ جذريّاً... والسؤال إلى متى نبقى خائفين من التغيير؟ وإلى متى نبقى نتلقّى نتائجه مرغمين بدَلَ المشاركة فيه مختارين؟ سؤال برسم مثقفينا علّهم يدركون أن الإنسان هو الأساس، وهو رُبّما يقتُلُ اليوم ألوف الناس بواسطة الكمبيوتر ولكنّه يقتُلُ الألوف أيضاً ً بمحدوديّة رؤاه... المشكلة ليست في قبول هذه الأداة الجديدة أو رفضها فهي موجودة شئنا أم أبينا ودخلت إلى كل مكان، المشكلة هي متى تدخُلُ عقول مُثقّفينا وتُقرّبُهم منّا ومن المستقبل الآتي؟ 
جورج خوري -جـــاد

Friday, December 2, 1994

Jean Girau, Moebius ou Gir


جان جيرو، »موبيوس« أو »جير«
عندما تحوّل الشريط المصور فنّاً تاسعاً
ماذا تراه يفعل »جير« أو »موبيوس« في بيروت؟ والإسمان هما للرسام نفسه جان جيرو الآتي إلينا من عالم الغرب الأميركي الواقعي وعالم الخيال الأوروبي في آن عمّا تراه يبحثُ  »جير«، موقّع أشهر قصص الوسترن في عالم الشرائط المصوّرة -وربّما أحد روّادها،  أو »موبيوس«، مبتكر عالم الخيال العلمي الذي بات لديه مقلّدين في الموجة الحديثة لهذا الفن الذي لا يزال يبحثُ عن شرعيّته لدينا؟ هل شدّت »جير« إلينا تلك القصص التي نقلتها وسائل التلفزة العالميّة عن بيروتالحرب ورأى فيها ما يقتربُ من عالم رعاة البقر القائم على صراع البقاء والصراع بين الخير المجرّد والشرّ المجرّد والإحتكام إلى عدالة البندقيّة؟ أم تراها المشاهد إيّاها عن الدمار التي تقتربُ من عالم الخيال التي يُبدِعُها »موبيوس« بامتياز هي التي دفعت هذه الشخصيّة المركّبة إلينا؟ فجان جيرو ليس في بيروت لتعليق نماذج من أعماله في صالة عرض وحسب، وإنّما ليرسم أيضاً عن هذه المدينة -وربّما ناسها إنطباعات زيارة خاطفة  لا تتعدّى الأيام الأربع يتنقّلُ فيها بين أسواق مدمّرة وفندقٍ فخم ومدينة جنوبيّة
والسؤال يستدركُ عكسه ماذا تراها تريد بيروت من رسّام بحجم »جير« أو »موبيوس« ؟ أهو التماهي بشخصيّة فنيّة مركّبة إلى حدّ الإنفصام لتقول أن حدّة تناقضاتها لها ما يبرّرها في عالم الإبداع؟ أم تأكيدٌ  لدور لا نزال نُصِرُّ عليه في كلّ كلمة نكتُب، ورسمة نخطُّ، ومسرحٍ نُقيم؟ الجواب قد يكون عند جان جيرو نفسه، أو عند زوّار معرضه وقد لا يكونما يهمّنا أن ندعو الجمهور إلى التعرّف عن قرب على فن جان جيرو وفن الشرائط المصوّرة عن طريق أحد أبرز وجوهه في العالم
إبداع مُرَكَّب أم إنفصام
ولِفهمِ عالم جان جيرو -أو عوالمه لا بدّ من الإشارة إلى أن هذا الفنّان الذي لا تخلو موسوعة أو بحث عن الشرائط المصوّرة من الإستشهاد بنتاجه رائداً في مجالات عدّة، ينفرِدُ ربّما دون غيره بعدم محدوديّة تجاربه التي انتقلت من الشريط المصوّر إلى الرسم التصويري فالرسوم المتحرّكة والسينما إضافة إلى أنّه دون سواه أتاح لنفسه »الإختبار« في مجال تنويع أساليب الرّسم لديه إلى درجة أنّه وقّع نتاجه المتنوّع باسماء مُختلفة كان لها استقلاليّتها وشخصيّها المستقلّة تماماً فهو »جير« Gir في سلسلة »بلوبيري« Blue-Berry، الوسترن الذي تعاقب على كتابة السيناريو فيه كتّاب عدّة وإن بدأ معه و جان ميشال شارلييه Jean-Michel Charlier  وهو »موبيوس« Moebius في سلسلة الخيال العلمي و الشخصيّات التي ابتكرها وأشهرها »أرزاك« Arzach وجون ديفول John Disfool المغامر الفضائي اللازمني ويردُّ البعض ذلك إلى شخصيّة الفنّان المركّبة ، هو الذي لا يتوقّفُ عن تأكيد سلوكه الإختباري في الحياة نفسها متنقِّلاً بين دول عدّة ومُشبعاً بثقافات حضارات عدّة نقلته من التسامح المسيحي إلى العبثيّة فالبوذيّة لينتهي إلى مايعتبره اليوم فلسفته الخاصة القائمة على الإثارة الذاتيّة واستفزاز الغير»أسعى إلى إثارة الآخرين دون توقّف، أرغبُ في الإستفزاز على رغم أنني قد أندم في ما بعد تماماً كما كان يحصل مع أساتذتي في الجامعة هذا المنحى الانتحاري الغريب جزء من سلسلة أفعال أقوم بها ولا يمكنني تفسيرها أو تحليلها حدث ذلك معي عندما كنتُ أخدُمُ في الجيش في الجزائر- لا أطرح على نفسي أسئلة كثيرة باستمرار، لكنني أتوقّف بين الحين والآخر في عمليّة مُراجعة« وكأن جيرو يعيد في كلّ مرّة، ومع كلّ مشروع صياغة نفسه، وتالياً صياغة مفهومه للشريط المصوّر ولدور الفنّان وحدود عمله هو الذي انتقل من وسيلة تعبير إلى أخرى ومن عالم إلى آخر وإن بقي في الأساس رسّام شرائط مصوّرة بامتياز
وكأن هذه المسافة بين اليقين والشكّ، بين الوضوح والغموض بين الواقع والخيال هي التي تُحدِّدُ الفارِقَ بين أسلوبه الواقعي التقليدي في الوسترن، وأسلوبه الواقعي المبتكر في قصص عالم الخيال وربّما، وبكلّ بساطة، لأنّه  تعامل في الحال الأولى مع قصص أناس آخرين تقوم على واقعيّة السرد وبالتالي ضرورة وضوح الصورة، فيما كَسَرَ في الحال الثانية كل القيود وانطلق للتعبير عن عالمه الذاتي دون غيره والمُلفتُ أن جان جيرو استطاع في كلا الحالين أن يبتكر ويفرِضَ أسلوبه الذي جاء من بعده مقلّدون في هذا الإتّجاه أو ذاك إلى أن تحدّث بعض النقّاد عن كلّ أسلوب وكأنّه لفنان مختلف
يقول»عندما أبتكر شريطاً مصوّراً من دون مساعدة كاتب سيناريو، ألجأ إلى بناء كل قصّة في شكل منفصل، وأرسم كل مشهد في شكل منفصل عن الآخر أمّا من ناحية تقطيع الصور والمشاهد المرسومة، فالإرتجال قاعدتي المفضّلة على رُغم أنني أتساءل أحياناً عمّا إذا كنتُ واضحاً في الرسالة التي أودُّ تمريرها للقارىء أتأرجحُ دائماً بين الرغبة في أن أبقى غامضاً بهدف إثارة صدمة نفسيّة لدى القارىء عن طريق حمله على السير في طريق متجانس ينتهي عادة إلى مشاهد لا تمتُّ إلى التجانس بشيء، وبين الرغبة في أن أكون مفهوماً، في أن أصلَ إلى الجمهور لدي الجانب الإحترافي الذي يولي القارىء أهميّة، فيما تأتي طبيعتي الأُخرى التي تحبُّ الغموض لتطغى على الأولى لذلك أسعى دائماً إلى المساومة أُطلقُ العنان لطبيعتي العبثيّة، وبعد الإنتهاء يأتي المحترف يُلملِمُ الأجزاء في سياقٍ متجانس - أليس في هذا شيء من »الكتابة الأوتوماتيكية« التي اعتمدها السورياليون في كتاباتهم؟ «
»جير«Gir  
الوسترن بالنسبة إلى »جير« هو عالم المغامرات المُفضّل، لم يشذّ عنه سوى للإشتراك مع ستان لي Stan Lee الأميركي لإعادة كتابة ورسم قصّة أحد الأبطال الخارقين الأميركيين Silver Surfer -الإختبارات الجديدة لا يمكن مقاومتها عند جيرو وعلى رُغم أن هذا النّوع من الشرائط المصوّرة يقتضي من الرسّام بحثاً وتوثيقاً لإعادة خلق عالم رعاة البقر بتفاصيله، فإن »جير« أتاح لنفسه -وهنا يُشكر كاتب السيناريو لتركه رسّامه يعيد صياغة عالمه الخروج على البطل التقليدي ليقدِّمَ لنا شخصيّة البطلالمضاد anti-héros »بلوبيري«-الذي لم يفهم أحد إلى الآن لماذا كان في جيش الخيّالة الأميركي يفعلُ كلُّ ما يُعاكس النظام العسكري إلى درجة يبدو فيها للقارىء وكأنه جنديٌّ رُغماً عنه يسعى جاهداً ليقيله رؤساؤه من الخدمة والمُلفتُ أن أهمّ القصص التي صدرت من السلسلة تلك التي لا إشارة فيها للحياة العسكريّة، والتي يفشلُ فيها البطل في كلّ المهمات التي توكلُ إليه وتنتهي لمصلحة الآخرين هذا إلى الشخصيّات الثانويّة التي ترافقه والتي تتسم جميعهابالهامشيّة ويمكن تشبيه كتب »بلوبيري« بمسلسلات التلفزيون التي قد تستمرّ إلى مالانهاية، ويتوقفُ استمرارها على رغبة الرسّام في متابعة العمل وهو مايفعلُه »جير« منذ عشرات السنين ربّمالأنه لا يزال يجدُ في هذا العالم حافزاً على الإبتكار التقني، أو لرغبة في التعبير عن حُلُم طفولة لا يزال يراودُه
وإذا كان »بلوبيري« من أوائل شرائط الوسترن المصوّرة، فهو من دون شكّ محطّة بارزة في تاريخ هذا الفنّ على المستوى التقني، فيه ابتكر »جير« أسلوب التداخُل في الرسم بين الفرشاةالتي كان استعمالها أساساً للشريط المصوّر، والريشة لإعطاء البعد الثالث في الرسم وأدخل »جير« أيضاً للمرة الأولى ضربات الريشة الحادة للتظليل بطريقة باتت تُردُّ إليه وسار عليها الكثير من فناني »الموجة الحديثة« أمثال أنكي بلال Enki Bilal وماكوMaco وسوليه Solé وغيرهم كما بدأ معه الإهتمام باللون عنصراً جمالياً يدخل في أساس عمليّة التأليف والإبداع وأَوْلى »جير« طوال حياته المهنيّة اللون إهتماماً خاصاً، فكان يشترطُ التلوين بنفسه أو يتعامل مع ملوّن يختاره بدل ترك هذه العمليّة للاستوديوهات أو المحترفات التابعة لدور النشر وربّما كان هذا المفهوم في التعاطي مع الشريط المصوّر فنّاً تعبيريّاً متكاملاً وليس وسيلة ترفيه في أساس انطلاق الموجة الحديثة في السبعينات والتي كرّست للشريط المصوّر مكانته بين الفنون وبات يُعرَفُ بالفن التاسع
»موبيوس« Moebius  
وإذا كان »بلوبيري« أتى بتقنيّات رسم متجدّدة في عالم الشريط المصوّر وإدخل اليه الإفادة القصوى من العناصر السينمائيّة ، فإنّه بقي في الشكل العام مكمّلاً لما سبقه، إلى أن ظهر »موبيوس« وعالمه الخيالي الذي أطلق ما يُعرفُ اليوم بالشريط المصوّر الفنّي للراشدين، والذي يقوم على التداعيات الذاتيّة للمؤلّف »موبيوس« هو رؤية ومفهوم أكثر منه شكلاً هو طريقة خاصّة في فهم العالم ورؤيته أكثر منه محاولة لنقله وتصويره وهنا الأفق الجديد الذي خطّه جان جيرو بين معاصريه وفتح الطريق أمام الفنّانين الشباب إلى الإنخراط في الشرائط المصوّرة تاركين تدرّجهم الأساسي سواء في الفن التشكيلي أو السينماأو الرسم التصويري ولا بدّ من الإشارة هنا إلى تأثير بوريس فيان Boris Vian على الفنّان الشاب ودخوله عالم الشعر والرومانسيّة والسورياليّة الأمر الذي أتاح لـ»موبيوس« ولمقلّديه في ما بعد، إلى الغوص في أعماق هواجسهم وهواماتهم الشخصيّة وإسقاطها على أوراقهم وأدّى ذلك إلى خروج نهائي على التأليف التقليدي، والتأطير الزمني المتسلسل،  وابتكار أساليب تُلبّي التعبير عن البعد الآخر وكان الطلاق بين عالم ميكي ماوس الطفولي، وبين العالم المضطرب العنيف والدرامي الذي وضع »موبيوس« مدماكه الأوّل وارتقى الرسم إلى الخط الصافي بالريشة، إلى حدّ امتلاك عمليّة تلخيص كلّ العمل الإبداعي التصويري، بعدما باتت الغاية الأساسيّة الإثارة البصريّة والصدمة العفويّة التي تعطيها للمتلقّي ولأن عالمه أصبح مقتصراً على التعبير الفنّي، كان »موبيوس« البادىء في إلغاء التدخُّل الطباعي بين مرحلة الرسم والتلوين وباتت العمليّة الإبداعيّة تبدأ على الورقة وتنتهي بهامع إعطاء اللون مكانته الأساسيّة في التظليل وخلق البعد الثالث هذه التقنيّة التلوينيّة التي دفعها من بعده جاك تاردي Jacques Tardi إلى نهاياتها
»بانوراما الخيال«
وأثار »موبيوس« دهشة في الأوساط الفنّية والإعلاميّة حين نشر للمرّة الأولى رباعيّة »أرزاك« Arzach التي توالت صوراً بصريّة على مدى عشرات الصفحات من دون حوار وتوالت الإصدارات تحت إسم »موبيوس« »رجل الصحراء« L'homme du désert حيثُ غاب الديكور أمام المدى الصحراوي الخارج عن الزمان، ليؤكّد »أن رجل الرؤى السحريّة لا يرتاح إلى الطبيعة النضرة التي تُميّز الأرياف أو إلى السهرات الهادئة حول الموقد«»الإنحراف« La deviation -الموقّعة من »جير« بغرابة الذي يعتبر من أبرز محطّات »موبيوس» الفنّية، وحيث لم يتردّد المؤلّف عن إدخال نفسه برفقة زوجته وابنته في مغامرة خياليّة فتحت الطريق أمام الروايات الذاتيّة في الشريط المصوّر »الكابوس الأبيض« Cauchemar Blanc التي كان يُمكن أن يوقّعها بإسم ثالث لدرجة اختلافها شكلاً ومضموناً عن سياق أسلوبه العام، شهد فيه بدقّة شبه صحفية على »فاشيّة« الطبقة الوسطى الفرنسيّة أو كما يسمّيهم »الناس الشرفاء« الذين يهاجمهم عن طريق النقد اللاذع يقول »مايزعجني هو العنصريّة مقترنة بالغباء أي موقف عنصري هو في ذاته موقف غبي لكن الأسوأ هو عنصريّة »الناس الشرفاء« الأغبياء كونها تتّسم بالخُبث الذي يؤذي بهدوئه وابتسامته« غمزٌ من قناة السياسة أم دخول في مُعتركها؟ يقول »»يصعُبُ عليّ الحديث عن السياسة لأنني دائماً مشدود بين مواقف مختلفةالسياسة ليست موضوعاً للمناقشة في الصالونات، وإنّما ممارسة على الأرض، وهناك أشخاص هذا هو عملهم- بالنسبة إليّ مبدعاً، وإن كنتُ أنتمي إلى ما يسمّى اليسار، فإن دوري أن أكون موجوداً لأقول لعشّاق الحرّية والتغيير عن طريق شرائطي المصوّرة »أنا معكم، وأحبُّكم««
وكرّت السبّحة، وأفلت »موبيوس« تباعاً عوالمه التي آنتقلت من مجال تعبيري إلى آخر لا يُحدّ منها سوى مزاج الفنّان مدفوعاً كما يقول بـ»غرزيتي الإنتحاريّة« وبدأ مع كلّ عمل جديد يضيفُ حجراً إلى عالمه الخيالي الذي ميّزه بين مُعاصريه وبات محطّ أنظار العاملين في مختلف الميادين الفنّية من المتاحف وصالت العرض وصولاً إلى الإعلاميين والسينمائيين سواء في أوروبا أو أميركا واليابان وانتقل »موبيوس« من كونه ظاهرة محض فرنسيّة إلى رمز فنّي أوروبي فعالمي
يقول»عندما أرسمُ لنفسي وليس للجمهور، فأنني أرسمُ بالغريزة موبيوس لكنني أعي اليوم أنني شخصيّة مركّبة، لا يمكنني أن أكتفي بوسيلة تعبير أو بأسلوب واحد وأتفاجأ كيف أن بعض الفنّانين -إذا لم أقُل غالبيّتهم يقفون عند أسلوب واحد ووسيلة تعبير واحدة تكفيهم ولا يُحاولون الخروج إلى عوالم الفنون اللامحدودة يدهشني كيف يتقوقعون في الإكتفاء كلّ رسام لديه أسلوب، نقطة وانتهى نادراً ما يسعى أحدهم إلى البحث عن طُرقٍ أُخرى يكتشفها من يُريدُ يستطيع المغامرة، فلا عُذر مقبولاًللكسالى أو للسلبيين«
أتراه هاجس الإكتشاف الدائم لدى جان جيرو الذي يدفعه باستمرار إلى المغامرة في كلّ جديد؟ربّما كان ذلك في أساس استمراره في إدهاش جمهوره والمحترفين على السواء وربّما هنا يكمُنُ سرّ استمراريّة الفنّان وحضوره المميّز بين مُعاصريه حتى الشباب المحدّثين منهُم
»أبحثُ في استمرار عن شيء ما في داخلي لا أزال أجهل ما هو حين أنطلقُ في مغامرة أترك المجال لتناقضاتي لتسيّرني، واعتقد أن التجانس نابعٌ من هنا« هذا هو جان جيرو، »جير« أو »موبيوس«، أو بعضاً منههذا البعض الذي يتيحه لنا جيرو اليوم على جدران صالة عرض في بيروت وهنا لا بدّ من تحيّة إلى منظّمة المعرض السيّدة نادين بكداش التي أرادت لـ»موبيوس« معرضاً مختلفاً ولزيارته أثراً يُضافُ إلى سجلّ هذه المدينةالرمز ها هو الشريط المصوّر عبر أحد أبرز رموزه العالميين معلّقٌ للمرّة الأولى عندنا في صالة عرض فنّية وليس على جدران مركز ثقافي أجنبي، فشكراً
جورج خوري -جــاد
»من هو؟«
وُلِدَ جان جيرو في أيار عام 1938 من ريمون وبولين جيرو اللذين انفصلا وهو في الرابعة من العمر -لا تزال مشاهد الخلافات العنيفة محفورة في ذاكرتي إلى اليوم، فأودِعَ عائلة جدّه في حيّ فقير للفلاحين في فونتونيه -أكره حياة الفلاّحين التي يسودها نظام بطريركي أحببتُ جدّي، أمّا جدّتي فكانت عشيقة للاعب بوكر مُحترف تعرّف على الشرائط المصوّرة منذ صغره عن طريق والده -والدي رجلٌ أسطوريربّما لأن والدتي كانت تُحرّضُني دائماً ضدّه، نشأت بيني وبينه علاقة حُبّ مخفيّة زادت من تقديري لهغادرت أمّه عام1954 إلى المكسيك حيثُ تزوّجت للمرّة الثانية، ولَحِقَ بها في السنة التالية -كنتُ أرغبُ في التعرُّف على والدي الجديد، وكانت النتيجة مُخيبة، تصوّر رجلاً يُصِرُّ على تنظيف أذنيه أربع مرّات في النهار كانت كارثة بالنسبة إليّ وأيضاً إلى والدتي في المكسيكتعرّف على حياة التشرُّد -إكتشفتُ في آن، الماريجوانا وموسيقى البوب والجنسفي 1957 عاد إلى فرنسا وبدأ يرسمُ لمنشورات عدّة، إلى أن استدعي إلى الجيش ونُقِلَ إلى الجزائر-لم أشارك في الحرب أمضيتُ الخدمة وأنا أرسمأذكر أنني أوشكتُ على خنق عريف في الجيش، لكن المسألة طويتبدأ مع جان ميشال شارلييه في 1961 أولى حلقات سلسلة »بلوبيري« -وآخر إصدار من هذه السلسلة في 1990 بعد أن انتقل للعيش في باريس في الوقت التي عادت والدته إلى فرنسا بعد طلاقها الثانيزيارة ثانية للمكسيك في 1965 -نهاية الحلم وبعدها إلى الولايات المتحدة، فعودة إلى باريس ومنها إلى الرّيف بعد عامين، حيث توقّف عن الشرب والتدخين وأصبح نباتياً مقترباً من الفلسفة البوذية تزوّج في 1967 من كلودين، واستمرّ في الرسم في مجلّة Pilote الظهور الأول لـ»موبيوس« في 1974 في مجلّة L'écho des Savannes مع »الكابوس الأبيض« تبعها بعد سنة »أرزاك« الكتابالصدمة في السنة نفسها تعرّف على ألكسندرو جودوروسكي وعمل معه على فيلم Dune وكانت بداية العلاقة مع السينما حيثُ صمّم اللباس لفيلم »Alien« لريدلي سكوت -٧٧٩١ ورسوم فيلم »Les Maîtres du Temps« 1978 و»Tron« لوالت ديزني 1980 من دون التخلّي عن انتاج الشرائط المصوّرة التي بدأ يوقّعها باسمي »جير« للوسترن و»موبيوس« للمغامرات الخياليّة »1980 Difool« 1980سلسلة »L'Incal« -ابتداء من1981 »Edena« 1982 في 1983 انتقل ومحترفه إلى تاهيتي، وبداية إنشاء المؤسسات التي تعنى بإصدار، توزيع، وتسويق نتاجه الفنّي الذي أصبح موزّعاً بين أوروبا وأميركا واليابان