Saturday, February 3, 1996

Modernism "Evil" »شرُّ« الحداثة والعجز عن مواكبة التغيير


»شرُّ« الحداثة والعجز عن مواكبة التغيير
غالباً ما تُطالِعُنا الصفحات الثقافيّة في المجلاّت والصُحُف بمُقابلات مع مُثقَّفين أو فنّانين أو أدباء أو مفكّرين -وهنا،أي في المكان الذي نحن فيه يُمكن أن تكون الهويّة المهنيّة متداخِلة، أو بمقالات نقديّة -والأصحّ أنّها إنتقاديّة لعدم صلتها بالنقد بأي علاقة ولا تمرُّ المناسبة من دون الحديث عن »الحداثة« -وفي الأغلب عن مساوئها والتبرّؤ منها وكأنها شرٌّ مطلَق سقط الجميع فيه أيّام الشباب. ويجهد هؤلاء في »استحضار« تعابير مأخوذة في الغالِب من لُغة الماضي الثقيل وابتكار مفردات وجُمَلٍ -شعريّة أو سياسيّة في غالبِها لإظهار مساوىء هذه »الحداثة« رابطين إيّاها بالـ»تقدُّم التكنولوجي«الذي يخافُه الجميع والذي بات عندنا مُرادِفاً لـ»سلاح غربي جديد« للسيطرة على مجتمعاتنا »البريئة والمُقتنعة بحالِها«، مُبشّرين عن غير قَصدٍ منهم رُبّما -كي لا نُحاسِبَ النوايا بأن التمسُّكَ بـ»الأصالة والتراث والهويّة المحلّيّة«  هو السلاح ضد »وحش التكنولوجيا« الآتي لافتراسنا أو أن »القديم الثابت والمألوف« يحمينا من قيام »مملكة هشاشة« تقضي على ما بقي  ... والمُلفِتُ في هذه الرومانسيّة الشعريّة والعاطفيّة أنّها لم تحاول مرّة أنّ تُقدِّمَ لنا -عقلانيّاً ما تَفهمُه بالـ»حداثة« أو ما هي طبيعة وحقيقة هذا »الوحش« المُسمّى بالتكنولوجيا وصورته الأكثر شيوعاً الكمبيوتر... الذي بات الشيطان الواجب رَجمُهُ.
الخطأ الذي تقعُ فيه هذه الكثرةُ  من المُثقّفين -لأنها ليست قلّة أنها تضَعَ التقدُّم العلمي للإنسان القاصرة عن إدراكه -وإن كان من نتاج مُجتَمَعٍ معيّن في مُقارنة مع الهوّية الإجتماعيّة والثقافيّة والدينيّة لمُجتَمَعٍ ما... وكأن هويّتنا الشرقيّة تضيعُ إذا استخدمنا مثلاً سيّارة صُنع اليابان -ملاحظةهي بلاد شرقيّة أو أوروبا أو غيرها... أو كأننا نُصبِحُ تابعين للـ»غول« الأميركي -وهو غول في أي حال إذا اقتنينا جهاز تلفزيون من صنعه... صحيحٌ في أيّ حال أن استخدام هذه التكنولوجيا الجديدة يؤثِّرُ على نمطٍ في الحياة، وعلى طُرُقٍ  في العيش -أي العادات وليس الهويّة،فمن ينطلِقُ إلى عمله في السيّارة ليس مثل الذي يتوجّهُ إليه بفرسه، ومن يُخاطبَ الآخر في الهاتف ليس مثل الذي يضطرُّ للمناداة من فوق السطوح، وهذه كلُّها عناصر متغيّرة غير ثابتة... لكن هذا التقدُّم الذي يؤثِّرُ في العادات ويغيِّرها لن يؤثِّر ،إلاّ إذا أردنا، على القيم والمقاييس الأخلاقيّة والدينيّة والسياسيّة لجماعة في ما تُشكّله في ذاتها من إطار للهويّة... فالتكنولوجيا أداة لا أكثر، وهنا بيت القصيد ...
الخطأ الثاني، عدَمُ إدراك أن التطوّر العلمي للإنسان الذي ابتكرنا له تسمية التكنولوجيا في أيّامنا هذه لتمييزه عمّا سبقه من تطوّر في عصور سابقة، كان مُرادِفاً لتطوّر الإنسان عبرَ التاريخ إذا لم يكُن المُحرّك الأساسي له، إلى أيّ مجتمعٍ انتمى إليه هذا الإنسان. حيثُ ترافق  في كلّ مرّةالانتقال من مرحلة إلى أُخرى مع اكتشافٍ علمي جديد -إذا كان استخدام النار اليوم من بديهيّات الحياة، فأنّه لم يكُن كذلك في العصور القديمة حيثُ يُمكن القول أن اكتشافَهاُ تطوّر تكنولوجي بمقاييس التطوّر آنذاك... وسياق التطوّر نفسه شهدته المراحل  الفنّيّة التي يُمكنُ تقسيمها استناداً إلى التطوّر التكنولوجي -عُذراً من الفنّانين فالمقصود ليس الإنتقاص من رومانسيّتهم ... فالجداريّة أوجدها انتقال الإنسان من المغارة إلى العمارة واكتشاف تكنولوجيا جديدة غير البدائيّة، واللوحة اقتضتها ضرورة التنقُّل فأوجدت »التكنولوجيا« الحلّ بلوحة يُمكنُ نقلُها... و في المدارس الفنّيّة المُعاصرة، بدأت ثورة الإنطباعيين مثلاً مع بداية تصنيع الألوان في أنابيب، إلخ... حتى أنّ نشأة الفنون الحديثة البصريّة -التصوير الفوتوغرافي والسمعيّة-البصريّة -السينما والتلفزيون وغيرهاوتطوّرها ارتبطتا بالتطوّر التكنولوجي... الفارِقُ الوحيد هو المدّة الزمنيّة التي لزمت لاستيعاب التطوّر التكنولوجي في كلّ مرحلة وبالتالي القبول به... وإذا اقتضى الإنسان الأمر ألوف السنين للإنتقال من العصر الحجري إلى العصر البرونزي، فلم يحتج إلى أكثر من بضع مئات من السنين للإنتقال من التكنولوجيا الميكانيكيّة إلى التكنولوجيا الميكانيكيّة-الكهربائيّة واستيعابها والقبول بها... وفي كلّ مرّة كان العقل البشري الجماعي العام يستوعِبُ التطوّر التكنولوجي المحيط به... وهذا التطوّر لم يُصبِح مشكلة  إلاّ حديثاً مع الأنقطاع في التواصل بين التطوّر التكنولوجي السّريع -الألكتروني هذه المرّة والقدرة الجماعيّة للمجتمع -وللفرد على استيعابه وقبوله أيضاً...
وهنا جوهر مشكلة مثقفّينا... فالكمبيوتر-التكنولوجيا الألكترونيّة اليوم مثله الرّيشة التي يستخدمها الفنّان -تكنولوجيا الأمس من صنع الإنسان وليس الطبيعة، يُمكن أن تكون أداة للخلق والإبداع -إذا استخدمها فنّان،كون الأبداع في اللوحة وليس في الريشة وفي الصورة المبتكرة على الكمبيوتر وليس في الماكينة بذاتها...لكن الفارقَ أنّ الريشة غير غريبة عن عالم أي فرد في المجتمع -وخصوصاً المثقّفومقاييس ما تُبدِعُه من مكتسابته التي استوعبها عبر الزمن، فيما الكمبيوتر غريبٌ فعلاً عنه والوصول اليه هو كالبدء من الصفر... الفنّان يعرِفُ ريشته وألوانه ويتمكّنُ منها، والناقِدُ يعرِفُ مادّة هذا الفنّان ويمكنه التعامل ومقاييسها، لكن الأثنين لا يعرفان الأداة الجديدة وألوانها الضوئيّة ولا مقاييسها الجديدة -بداية تراجُع في المعرفة التقنيّة... فأصبَحَ الفنّان -الأديب، الناقد، أو أيّ مثقّفٍ آخر عاجِزاً عن مواكبة  اللغة »الحديثة« والمعرفة الجديدة في وقتٍ كان هو في طليعة الداعين إليها... وما يزيد في المشكلة  أنه كما أنّ لكلّ مرحلة -وتكنولوجيا فلسفة جديدة تعيد النظر في كلّ شيء بما فيها طرق الحياة والتفكير واللغة والمقاييس، فأن الأنقطاع بين المثقّف عندنا وهذه الفلسفة والرؤية الجديدة جعلت منه متخلّفاً عن مواكبة هذا التغيير الجذري وهذه اللغة الجديدة.... فهو بالكاد استوعب الثورة الصناعيّة وإذا به أمام ثورة تكنولوجيّة أخرى لا تواصل لها مع ما سبق أن عرفه أو خبِرَه... وبات أمام موقف من إثنين إمّا العودة إلى تأهيل نفسه من جديد لمواكبة التغيير، أو -وهذا الحلّ الأسهل المُتَّبَع عندنا التقوقُع في ما يعرِفُه من مسلّمات ومقاييس والإستمرار في ما هو عليه وتبرير هذا الأستمرار -والتبرير من أهمّ اجتهادات مُثقَّفينا إذا لم يكُن الإجتهاد الوحيد...وهنا تُصبحُ الحداثة »شرٌّ« يتهدّد الكيان -كيان المُثقّف وليس المجتمع والمكانة والمركز الإجتماعيين وبات من الواجب محاربتها بعدما كانت قبل الإنقلاب التكنولوجي مقياساً للتقدُّم و»الوجاهة« الفنّية والفكريّة والتعالي على المجتمع المحيط...
المشكلة الأخرى -وما أكثر مشاكل مُثقّفنا، أن المفهوم الحديث للحداثة -ليس في الواقع حديثاً كونه يعود إلى عقدٍ من الزمن مرتبط بعنصرٍين جديدين أدخلهما التطوّر التكنولوجي هما عنصر الزمن المتحرّك -وهو مايجهله مثقفّونا ربّما لتوقُّفِ الزمن عندنا والمفهوم الحديث للصورة -ونحن أهلَ خطابة أعداء مزمنين للصورة... فمقياس التفريق بين »الحرفة« و»الفن« مثلاً أصبح نسبيّاً ومرتبطاً بالتطوّر الزمني، وما يُطلِقُ عليه مثقفونا اليوم تسمية »حرفة« كان في وقت من الأوقات »فنّاً رفيعا«... حتّى أنّ اللغة اختلفت مع إدخال مفهوم الصورة image على ما تبتكره الفنون سواء كانت لوحة أو منحوتة أو مشهداً مسرحيّاً أو صورة فوتوغرافيّة إلخ... وبدل كلمة فنّان المرتبطة أساساً بالفنون اليدويّة باتت التسمية الأقرب اليوم إلى الواقع الجديد هي »المبدع« CREATOR أو »صانع الصور« IMAGE MAKER،. وانفصَلَ الفنّان عن الصنعة أوالحرفة التي يُتقنها وبات مطلوباً منه الإبداع والخلق وإن نفّذ آخرون تقنيّون ما يُريده -نعطي هنا مثال المخرج السينمائي...فمهمّته  باتت في مجال الإبداع -وليس المهارة اليدويّة في ابتكار »صورة« جديدة نابعة من »فكرة« جديدة و»موقف« جديد... وهكذا باتت الحداثة مرتبطة بالجديد الذي يبتكره الفنّان سواء استعان بالكمبيوتر أو بأي أداة تقليديّة أخرى... وهنا يتقدّم فنُّ الكمبيوتر رُبّما على غيره من الفنون كونه أداة جديدة تُعطي صوراً جديدة تَفتَحُ أمام الإنسان آفاقاً ورؤى جديدة... وهنا تبرُزُ المشكلة الأكبر، في عدم تواصل مثقّفينا مع الأجيال الآتية من عالم التكنولوجيا الجديدة  ولغتها وفلسفتها وطرق عيشها ومقاييسها... فالأثنان يتكلّمان لغة مختلفة... وإذا كان الصراع بين الأجيال قديماً قِدَمَ الإنسان فهو لم يشهد تباعداً لغويّاً على الأقلّ بينها، وهو ما يحصَلُ اليوم سواء في الموسيقى أو الأدب أو الفنون -من لديه أولاد بين مثقّفينا يُدرِكُ انقطاع التواصُل ... وكأن مثقّفنا استقال من مهمّته مُفَضِّلاً عليها اللعبة الاجتماعيّة-السياسيّة -ألم تكُن الثقافة دوماً دعوة إلى رؤية مختلفة، وإلى تفكير مُختلف وحياة ذات آفاق جديدة؟ أو أنّه لم يستوعب من الأساس »الحداثة«  فعلاً على رغم تبشيره لنا بها سابقاً واعتقد أنّه بفهمه العاطفي لها -مع أنّها مفهوم عقلاني بات مهيّئاً لدخول العصر الحديث -بعد غفوة قرون ومهيّئاً لمخاطبة المجتعات الأخرى ومستقبل القرن الآتي وإذا به بعيداً  حتى عن ثقافة الصورة لقرننا هذا الآيل إلى نهايته؟
 الحقيقة أنّ حضارة جديدة بدأت وإن كانت معالمها وأسسها غير محددّة نهائياً بعد، وهناك محاولة لم تتّضح بعد لبناء»نظام عالمي جديد« -ربّما غيرُ ما تدعو إليه الولايات المتّحدة ينقلنا إلى الألفيّة المقبلة...العالم حولنا يتغيّرُ جذريّاً... والسؤال إلى متى نبقى خائفين من التغيير؟ وإلى متى نبقى نتلقّى نتائجه مرغمين بدَلَ المشاركة فيه مختارين؟ سؤال برسم مثقفينا علّهم يدركون أن الإنسان هو الأساس، وهو رُبّما يقتُلُ اليوم ألوف الناس بواسطة الكمبيوتر ولكنّه يقتُلُ الألوف أيضاً ً بمحدوديّة رؤاه... المشكلة ليست في قبول هذه الأداة الجديدة أو رفضها فهي موجودة شئنا أم أبينا ودخلت إلى كل مكان، المشكلة هي متى تدخُلُ عقول مُثقّفينا وتُقرّبُهم منّا ومن المستقبل الآتي؟ 
جورج خوري -جـــاد