Tuesday, June 3, 1997

Arabic Comics.... قراءة في الشريط المصوّر العربي


قراءة في الشريط المصوّر العربي
طفلٌ لم يُسمَح له بالنضوج
بقلم جورج خوري جــاد
مع مطلع الخمسينات وبداية مرحلة إعادة الإعتبار للشريط المصوّر  في الغرب1، أصبح هذا الفن الجديد ظاهرة عالميّة انتشرت في القارات الخمس التي اكتفى بعضها بترجمة مايصدُر في الولايات المتّحدة وأوروبا، فيما سعى البعض الآخر مثل اليابان وأميركا اللاتينيّة إلى تطوير نماذج محلّية اختلفت من بلد إلى آخر ولم يكن العالم العربي بعيداً عن ركوب هذه الموجة العالميّة وإن كان مؤرّخو الشرائط المصوّرة لم يعيروه أي اهتمام وهو لم يحظَ باهتمام في موطنه في أي حال و»القراءة« المقصودة هنا لا تدّعي التأريخ أو التوثيق، كما لاتطمح إلى أن تكون أكثر من محاولة لإيجاد روابط تكشُف الخطوط العريضة لنموّ الشريط المصوّر وتطوّره في العالم العربي، استناداً إلى نماذج يعود بعضها إلى البدايات الأولى للخمسينات2
ولادة »سندباد«
في مطلع العام 1952 ولدت في مصر »سندباد«3 مجلّة الأطفال الأولى التي نشرت في صفحاتها شرائط مصوّرة كانت البداية خجولة، فمن بين 16 صفحة تشكّلُ مادة العدد الواحد هناك صفحتان مكرّستان للشريط المصوّر وفيهما مغامرتان »زوزو« و »شدّاد وعوّاد« حمل الشريط الأوّل توقيع »موريللي« ، ويحكي قصصاً فكاهيّة لفتى شقيّ، فيما روى الثاني قصصاً من عالم الحيوان بطلها »شدّاد« الحمار4وسلكت مغامرات »شدّاد وعوّاد« طريق الشريط المصوّر البدائي، بمعنى أن النصّ وُضِعَ خارج الصورة مما يُذكِّرُ بالشرائط المصوّرة الأولى في الغرب نهاية القرن التاسع عشر في حين تميّزت مغامرات »زوزو« بشكلها المعاصر فاستخدمت المربّعات المتتالية والحركة في الزمن و»البالون« للحوار جزءاً من الكادرات وعلى رغم أن الرسوم جاءت ركيكة بعض الشيء لعدم التمكّن من تقنيّة تحريك الشخصيّات فإن هذه المغامرات استوعبت العناصر المكوّنة لفن الشريط المصوّر وفي مقدّمها التصوير الروائي
والمُلفِت في المغامرات الأولى لمجلة »سندباد« أنها كانت تنطُقُ بالفُصحى، إلى ابتعادها عن أي عمليّة نقل خارجيّة سواء بالنسبة إلى الموضوع وهي مواضيع محلّية أو بالنسبة إلى الشخصيات التي حافظت على معالمها العربيّة من أزياء الجلاّبية والتطربوش وتعابير ووجوه وديكورالفضاءالصحراوي وتميّزت هذه الشرائط بالطرافة ولم تخلو من الوعظ والتوجيه كون مهمّتها الأساسيّة تربويّة
أمّا »رحلات سندباد« التي اتخذت المجلّة عنوانها فبدأت قصصاً تُزيّنهابعض الرسوم التي أتت رسوماً تمثيليّة (ILLUSTRATION) تطوّرت في ما بعد مستخدمة الأسلوب البدائي حيث النص خارج الصورة، على رغم أن الرسام اتّقنَ تحريك الشخصيات ولعبة الظلّ والنور،  مما جعَلَ السلسلة مميّزة من الناحية الجماليّة والتقنيّة بين النتاج الذى عرفته المرحلة الأولى، إضافة إلى أنّها الشريط المصوّر الأول المتسلسل على مدى أعداد عدّة
ونشرت »سندباد« في مرحلة لاحقة نهاية الخمسينات مغامرات أُخرى قصيرة وغير متسلسلة اتّبعت تقنيّة الشريط المصوّر منها ما هو مُقتَبَس عن الخارج مثل »فرفر وبسبس« عن(TOM & JERRY) الفأر والقطّ المشهورين، ومنها ما هو مستوحى من البيئة المصريّة وعالم الصغار مثل مُغامرات »كندوس ونوسة« واعتبرت هذه الشرائط مؤشّراً واضحاً إلى النضوج التقني ولم تشهد المجلّة تحديثاً للشريط المصوّر من حيثُ البحث في خصوصيّة في الرسم والتعبير إلاّ في نهاية الخمسينات حين دَخَلَ إليها فنان ناشىء كان من أصدقاء المجلّة و»القائم بعمل ندوة نادي سندباد في المطريّة« هو محيي الدين اللبّاد الذي حاول للمرّة الأولى الخروج على التقليد الغربي من ناحية الأسلوب في الرّسم ووَضَع نموذجاً جديداً لرسوم الأطفال عرِفَ بعده مقلّدون ومريدون وساهم اللبّاد في وَضع سسلسلة من المغامرات رالشخصيّات لم يُقدَّر لها الإستمرار منها »الرحّالة طماطم« و»مرجان« و»الأستاذ فاصوليا« و»راعي البقر« و»زقزوق ومرزوق ومعتوق« وتميّز اللبّاد بأسلوب رسم اعتمد بساطة الخط الكاريكاتوري الذي كان متألّقاً في مصر آنذاك وبساطة الديكور والفكرة، وإن كانت الحبكة القصصيّة بقيت عنده ضعيفة ونلاحظ مما تقدّم أن المرحلة الأولى التي اقترنت بصدور مجلّة »سندباد« تميّزت باعتمادها الفصحى نصّاً مكتوباً، محدّدة أهدافاً تربويّة وتثقيفيّة الأمر الذي أبعَدَ عنها حيويّة اللغة المحكيّة التي ساهمت لاحقاً في انطلاقة مجلّة »سمير« ومعها الشريط المصوّر العربي
وعجزت المجلّة عن السير قُدُماً بالشريط المصوّر العربي ودفعه إلى آفاق جديدة تُساهمُ في تطويره ونموّه وربّما لسبب مرتبط بطبيعة المجلّة وأهدافها من جهة وبنوعيّة الرسّامين من جهة أخرى لقد انطلقت »سندباد« أساساً مجلّة موجّهة للأطفال تهدُف إلى التسلية والتربية في آن ولم يكُن الشريط المصوّر غاية في ذاته أو محور اهتمام يدفعُ إلى تطوير هذا النموذج الجديد من الفن فتعاملت معه مثل ما تتعامل مع الزوايا الأخرى في المجلّة إذا لم يكُن أقلّ، كونه لم يتمتّع بأهميّة تفوق زاوية التسلية أو أخبار نوادي سندباد في أنحاء العالم العربي ويأتي الأقتصاد في نشر الشرائط المصوّرة في المجلّة مغامرتين أو ثلاث على الأكثر في كل عدد ليؤكّد هذا الإنطباع وهدّد هذا الإتجاه الذي أعطى أهمّية ثانوية للشريط المصوّر في »سندباد« بتوقُّف التجربة العربيّة وهي دفعت في أي حال العديد من الرسّامين إلى تجنُّب الخوض في هذا المضمار كونه غير محطّ تقدير، مُفضّلين عليه الكاريكاتور الذي كان شائعاً في الصُحف المصريّة آنذاك، ويتلاءم أكثر مع الذهنيّة السائدة منه الإهتمام بالأطفال وبرزت حاجة مُلحّة إلى أرضيّة ثابتة تتّخذ من الشريط المصوّر محوراً لاهتمامها فتساعد على رفع شأنه وانتشاره وتفتح أمامه أفُقاً جديدة للعمل وجاءت مجلّة »سمير« لتلبّي هذه الحاجة المتزايدة وإن كانت سارت في بداياتها على خُطى سلفها »سندباد«
إنطلاقة »سمير«
حاولت »سمير« الأسبوعيّة منذ تأسيسها في العام 1956 أن تتميّز عن »سندباد« فاحتذت بنماذج المجلاّت الأجنبيّة مثل  (TINTIN)و(SPIROU) معطية الشريط المصوّر مكاناً بارزاً، بل محوريّاً في تركيبها، الأمر الذي فسَحَ في المجال أمام انطلاقته وأعاد الثقة إلى فنّانين كانوا ابتعدوا عنه6 ونظرة شاملة على الانتاج الذي أصدرته »سمير« تتيحُ لنا تدوين الملاحظات التالية
أ تحرّك الصورة وديناميّتها
يمكن القول أن معظم المغامرات التي نشرت في »سمير« تميّزت بإضفاء الحيويّة على الصورة فتمكّن الرسّامون من تصوير الحركة سواء في ما يتعلّق داخل كل إطار أو بالحركة في الزمان بين الصور المتلاحقة، فغابت الشخصيّات الجامدة في شكل عام وأصبح الأبطال يتمتّعون بالليونة والحرّية التي أبرزت أكثر أبعادهم الإنسانيّة ويمكن القول أن أفضل من اتّقن تقنيّة التحريك في هذه المرحلة هما الفنان نسيم مبتكر شخصيتي »سمير وتهته« ولطفي وصفي الذي رَسَم سلسلة مغامرات منها »عنترة وإبن جرجون« و»فريد أبو قلب حديد«، ومثّل كل منهما اتجاهاً في الشريط المصوّر وإذا كان نسيم اتّبع ما يمكن تسميته بـ»مدرسة بروكسيل« البلجيكيّة وسار في خُطاها إلى درجة التقليد، فإن لطفي وصفي طوّر أسلوبه الخاص الذي تميّز بمقاييس جماليّة ندر وجودها في تلك الفترة سواء بالنسبة إلى بساطة الخط وتشكيله الذي ابتعد عن الأسلوب الكاريكاتوري، فيما بقي نسيم مُخلِصاً إلى المدرسة البلجيكيّة وبدت شخصيّاته وكأنها تقليد لأسلوب FRANQUIN إلى حدّ أنه رسَم الأبواب والمقاعد والأحذية نفسها
ب تحرّك اللغة اللغة العاميّة
ومن الأسباب التي ساهمت في انطلاق مجلّة »سمير« قربها من لغة الحياة العامّة السائدة وتكفي مراجعة المكانة التي كانت تُعطى لبعض الشرائط المصوّرة في المجلّة لملاحظة أن الشرائط الناطقة بالعاميّة كانت الأكثر شهرة واحتلّ أبطالها غلافات الأعداد المتتالية كما أن نسبتها بالمقارنة مع الشرائط الناطقة بالفصحى وصلَ إلى أربعة على واحد في المجلّد الثاني عشر مثلاً7 وتُعتبر »سمير« رائدة في مجال »تطويع« اللغة إذا جاز التعبير لتتناسب وتنسجمَ مع الحركة التي دَخلت إلى الرسم ومحاولة الإيحاء بهاومما ساعد على دخول المحكي إلى الشريط المصوّر المصري التجربة الناجحة التي خاضها فن الكاريكاتور في هذا المجال إضافة إلى أن غالبية رسّامي هذه المرحلة انطلقوا أساساً في ميدان الكاريكاتور قبل انخراطهم في تيّار الشريط المصوّر والمُلفت أن هذه الظاهرة تراجعت مع تراجُع الشريط المصوّر المحلّي لمصلحة الشريط المصوّر المستورد الذي حَكم ولا يزال أسواق الشرائط المصوّرة في العالم العربي حتى مع ظهور الموجة الجديدة مطلع الثمانينات
ونبقى في المجال اللغوي للإشارة إلى أن المخارج الصوتيّة والأصوات المكتوبة (ONOMATOPÉES) دخلت الشريط المصوّر مع »سمير« وباتت مصطلحاً يستخدمه أي رسّام عربي في هذا المجال ومنحت الشريط المصوّر حيويّة وقوّة تعبيريّة أكبر قرّبته من الجمهورالواسع ليُصبح جزءاً من الثقافة الشعبيّة على غرار الكاريكاتور أليست تعابير مثل»ياخبر اسود« و»إيه ده« مُعبّرة أكثر من مرادفاتها إذا وُجِدَت في الفُصحى؟
ج تنوّع المواضيع
واتسمت مرحلة الإنطلاق مع »سمير« بتنوّع شمل كل المستويات بما فيها المواضيع ومردّ الظاهرة إلى أن كل رسّام حاول التميّز عن غيره بمقاربة مختلفة للشريط المصوّر، فمنهم من اختار الفكاهة القصيرة فيما فضّل الآخرون القصص والمسلسلات الطويلةوساهم الانفتاح على الشريط المصوّر الغربي في تشعُّب المدارس الفنّية والإهتمامات القصصيّة والمُهمّ التأكيد في هذا المجال أن الذين عملوا في ميدان الشريط المصوّر أخذوا عملهم على محمل الجدّ وحاول كل منهم تطوير أسلوبه وشخصيّاته وتميّزت الشرائط المصوّرة في هذه المرحلة بالأستقلال التام بين الرسّام وكاتب السيناريو، الأمر الذي أتاح المجال أمام كتّاب عديدين لخوض غمار التجربة الجديدة وإن أثّر ذلك سلباً في بعض الأحيان على التماسك بين النص والصورة وبرزت المغامرات البوليسيّة، والقصص التاريخيّة، والنوادر الشعبيّة والقصص المُقتبسة عن تاريخ الشعوب الأخرىوعلى رُغم بدايات التوجيه السياسي عن طريق »استحضار« ماضٍ مُشرقٍ انقضى، أو التماثُل مع »نضالات« شعوب العالم الثالث، فإن النوادر والقصص الشعبيّة كانت الأكثر شعبيّة فمن الرسّمين من اختار النوادر الشعبيّة الأكثر شهرة واسقطها على الواقع المصري مثل الرسّام دَرَش في »نوادر جحا في القاهرة«وضع السيناريو عبد الفتّاح الجمل، فيما اختار آخرون التعامُل مع الطرائف الشعبيّة مثل »زغلول أفندي« للرسام محيي الدين اللبّاد الذى انتقل إلى »سمير«، أو »تنابلة الصبيان« للفنان حجازي
د تعدُّد الأساليب
وفرَضت المواضيع المتعدّدة تنوّعاً في الأساليب المرسومة سارت في اتجاهين الأول ويمثِله لطفي وصفي  في مغامرات »عنترة وإبن جرجون«التي أعطت الجماليّة الفنّية مركز الصدارة، فنراه يستخدم الإطار الخاص بالصورة بما يتوافق مع جماليّة تأليف الصفحة ككل وإن على حساب التأليف الكلاسيكيوالمُلفت في هذا الإتجاه أنّه على تقدّمه التقني وقيمته الجماليّة العالية لم يُشكّل منهجاً يسير عليه باقي الرسامون وبقي استثناء لهذه المرحلة أما الإتجاه الثاني ويمِله الرسامان حجازي واللبّاد خير تمثيل فأعطى الأولويّة للفكرة والفكاهة على حساب الرسم الذي لم يكُن سوى تكملة لهما فاختُصِرَت التفاصيل إلى أقصى درجة، ولم يعِر الرسّامون مشاكل التأليف في الصورة والصفحة أي أهمّية حتى أن التقنيّات السينمائيّة التي ساهمت في تطوير الشريط المصوّر لم تكن ضمن اهتماماتهم المهمّ ابتكار الفكرة، والأهمّ إيصالها إلى الناس بأقل تعقيد أو جهد ممكن ومن الأسباب التي أدّت إلى تفوّق هذا الإتجاه اقترابه من فن الكاريكاتور الشائع، إلى ارتباطه بواقع الناس المُعاش »زغلول أفندي« يُعاني مشاكل الناس اليوميّة، و»تنابلة الصبيان«رمز الشقاوة التي يسهُل على القارىء التماهي معها من دون الغرق في التفاصيل
لكن هذه المرحلة التي يمكن تسميتها بإنصاف بـ»مرحلة الإنطلاق«، عجزت عن تجاوز الإطار الذي انطلقت منه مستبعدة عالم الراشدين الذين احتكرهم فنّ الكاريكاتور ولم تشهد الفترة  للأسباب نفسها دخول الشريط المصوّر إلى الصحف والمجلاّت الأسبوعيّة، أو ولادة الشريط المصوّرالكتاب (ALBUM) وسينتظر الشريط المصوّر الثمانينات ليحاول فتح هذه الأبواب التي أُغلقت في وجهه ما يزيد على ربع قرن
حرب 1967
في الخامس من حزيران 1967 وجهت اسرائيل ضربتها الى الجيوش العربية ودخل العالم العربي مرحلة النكسة وحرب الاستنزاف وانصبت كل الجهود والطاقات في قناة المجهود الحربي هذه الحال من التشبث بارادة القتال ورفض »الهزيمة« شملت كل المستويات بما في ذلك المجلات الترفيهية ومجلات الاطفال وبالتالي الشرائط المصورة
وجاءت ردة الفعل سريعة واقحم رسامو الشرائط المصورة ابطالهم في المعركة من اجل »استعادة الاراضي المغتصبة« واصبح شعارهم »كلنا في المقاومة الشعبية« كما برز في غلاف العدد ٢٩٥ من مجلة »سمير« الذي صور ابطال المغامرات يلتحقون بالمقاومة ابتداء بـسمير وانتهاء بـ جحا وذهب سمير وتهته الى تل ابيب للقيام بـ»عمليات ضد العدو« من زرع الغام موقوتة ونصب كمائن في مغامرات اتسمت بذكاء الفكرة والتوجيه السياسي المباشر في حين ذهب الرسام لطفي وصفي ببطله فريدا بو قلب حديد الى غزة وكأن ابطال الشرائط المصورة خططوا لتقسيم مناطق عملياتهم العسكرية واذا كان سمير وتهته اشتركوا في تنفيذ العمليات العسكرية والمعارك المباشرة ضد العدو، فان فريدا بو قلب حديد لعب دورا مساعدا للمقاومة في المناطق المحتلة فقام بتسليم الفدائيين رسائل نقلها من قياداتهم وساعد على نقل المعلومات عن العدو من دون الدخول مباشرة في معركة معه أما زغلول افندي ففضل عدم التوجه الى الجبهة وساهم بطرافته في المجهود الحربي قصصه القصيرة فكاهية، وتوجيهية تعبوية في آن والمفارقة التي يمكن ملاحظتها بين نموذج زغلول افندي والآخرين، هو ان شخصيته بقيت تتمتع بصفاتها الثابتة فحافظ على طرافته وان كان يتعامل مع وضع مستجد، في حين دفعت الحرب سمير وتهته الى التخلي عن مقالبهم وسخريتهم والانخراط في المعركة فنضجت شخصيتهم فجأة وثغيرت صفاتها وابعادها فاتسمت بجدية مُصطنعة وغير مُقنعة غابت عنها الكفاهة
واذا كانت الحرب دفعت بابطال الشرائط المصوّرة الى الانخراط في المقاومة فانها افرزت ابطالاً جدد مثل دندش واصدقاؤه سيناريو صبحي الجيار رسوم صلاح عسكر الذين دخلوا الى  الشريط المصوّر في الحرب وانتهوا بعدها في مغامرات بوليسية بعدما خفّ الحماس في حين برزت سلسلة قصص استعانت بالتاريخ المعاصر العربي ونماذجه التي حاربت الاستعمار مثل »معركة البطولة والابطال في رشيد« رسوم عبد الحليم البرجيني و»النديم« للرسام نفسه وغيرها من القصص التي تستشهد برموز ونماذج عربية واجهت الاستعمارين الفرنسي والبريطاني كما لجأ البعض  الى البحث في تاريخ الشعوب عن مآثر وبطولات لنقلها الى الاطفال العرب بهدف تعزيز روح الصمود وارادة القتال لديهم نموذج جديد آخر دخل الى الشريط المصوّر فترة الحرب هو الشريط التثقيفي العسكري الذي يعتبر من السمات الخاصة بالشرائط المصورة العربية، كون الغرب لم يشهد مثلها حتى خلال انخراطه في الحربين العالميتين الاولى والثانية ولا يخلو عدد من اعداد »سمير« الصادرة سنة ٧٦٩١ من هذه النوعية من الشرائط التي اتخذت عنوان »دروس في المقاومة الشعبية« رسمها الفنان لطفي وصفي
التراجُع أمام المستورد
ساهمت مرحلة إنطلاق الشريط المصوّر في الغرب في فتح آفاق جديدة أمام هذا الفن الناشىء دفعته إلى بحث دائم عن وسائل انتشار وتقنيّات جديدة وبعد صفحات الجرائد والمجلاّت الأسبوعيّة والشهريّة ولد الشريط المصوّرالكتاب (ALBUM) ولَعِبَ دوراً أساسيّاً في اتساع مجال عمله ليشمل كلّ الميادين ترفيه، مغامرات، تربية، سياسة، فلسفة، نقد اجتماعي، عالم الخيال، ألخ وكلّ الفئات الاجتماعيّة الأطفال، الفتيان، الراشدين، المتخصصين، الأكاديميين، إلى درجة باتت بعض دور النشر تتنافس على كسب فئات هامشيّة في المجتمع وسعى الرسّامون وسط هذه التعدّدية والحرّية ظاهرة غائبة عن عالمنا العربي إلى تطوير أساليبهم، ومواضيعهم وإدخال تقنيّات الفنون الأخرى الروائيّة والتصويريّة والسينمائيّة والتشكيليّة، فخلقوا حاجة لدى الجمهور إلى الشريط المصوّر وبالتالي طلباً عليه وصل إلى الحملات الإعلاميّة والدعائيّة والسياسيّة وبدا العالم العربي »متخلِّفاً« عن اللحاق بهذه النهضة وتعود الأسباب إلى تقوقع الشريط المصوّر العربي في عالم الأطفال الغاية التي وُجِدَ من أجلها وفي غياب  العرض والطلب عالم النشر محصور في المؤسسات الحكوميّة، ويخضَعُ لسياساتهابقيت صفحات الجرائد والمجلاّت مُغلقة في وجهه تحتلّها رسوم الكاريكاتور، وامتنعت دور النشر عن تناوله كتاباً (ALBUM) ومع وصول الغرب إلى كفاية تقنيّة تجاوزت حدوده، بدأت دور النشر العربيّة بنَقل نتاجه وترجمتهوبدأت عملية دخول الشريط المصوّر الاجنبي الى مجلات الاطفال المحلية منتصف الستينات وسارت في طريقين مختلفين الأوّل استعان بالشخصيات المصورة الاجنبية فأعاد تصويرها عبر قصص جديدة مبتكرة او مترجمة مثل »مغامرات باسل« ومجموعته الكشفية سيناريو محمود سالم رسوم اسماعيل دياب التي اقتبست ابطالها من مغامرات الكشافة الفرنسيين (LA PATROIULLE DES CASTORS) واضافة الى هذا التأثر بالشرائط المصوّرة الغربية نقلت شرائط مصوّرة اخرى وترجمت وكان المراسل الصحافي الصغير تم تم وكلبه ميلو أول من دخل الى المجلات العربية مع سمير ويذكر ان شخصية تم تم (TINTIN) كانت نقلت وترجمت في هذه المرحلة الى أكثر من لغة ونشرت في أكثر من بلد
واستمر ارتفاع أسهم الشريط المصور المنقول عن الخارج وتوّج بولادة مجلة »ميكي« التي أتت بحيوانات والت ديزني الطريفة وطرحتها في سوق الأطفال فنافست الابطال المحليين مثل سمير وتهته وغيرهم وقد لاقت حيوانات مثل بطوط وبلوتو نجاحاً في اوساط الاطفال والفتيان لما تمتعت به مغامراتهم من حبكة قصصية قوية، غاب عنها التوجيه السياسي المباشر الذي غالباً ما يبقى غريباً عن عالم الطفل وحملته الى عالم خيالي يمتاز بقوة الصورة وتقنيتها العالية
وأتى نجاح ميكي مؤشرا للأزمة التي يعانيها الشريط المصور المحلي وعدم قدرته على تلبية رغبات جمهوره من الأطفال وطموحاتهم المتجددة وبدأ بعض الرسامين بالعودة الى مهنتهم الأولى الكاريكاتور متخلين عن تجاربهم في الشريط المصوّر، في حين استمر آخرون في عالم الصغار، ولكن هذه المرة، عبر كتب الاطفال المصورة (CONTES ILLUSTRÉS) التي استقطبتهم واحداً بعد الآخر
ومع نجاح نموذج ميكي بدأت دور النشر التي اكتشفت اهميته الاستثمار في عالم الأطفال باستيراد الشرائط المصورة وتعريبها، عوض احياء النتاج المحلي لأسباب تجارية وتقنية في آن فالشريط المصور المترجم ليس بحاجة الى فنان كون الصور مرسومة وجاهزة سلفاً وليس بحاجة الى كاتب سيناريو لوجود القصة والمغامرة سلفاً، وبالتالي غابت الكلفة المادية التي كانت تقتطع للاثنين معاً واصبح الربح اكبر بعدما انحصرت العملية في المطبعة وكلفتها فقط وهكذا انتقل مركز الثقل في انتاج الشريط المصوّر المستورد الى لبنان لما يتمتع به هذا البلد من عوامل تميّزه عن غيره من الدول العربية الأخرى في ميدان الاستيراد واعادة التصدير
وحكمت المجلات المصورة الصادرة في لبنان السوق العربي بعدما كان هذا الدور مناطاً بمصر وتدفقت الشرائط المصورة المنقولة على السوق المحلي لإعادة تصديرها مُعرّبة  لتصل اليوم الى ما يزيد على ٥٣ مطبوعة متشابهة من حيث الشكل مختلفة من حيث الموضوع ولم تقتصر عملية الاستيراد على اوروبا وأميركا وحدهما بل تجاوزتها الى مناطق اخرى من العالم فدخل الشريط المصور الياباني الساحة المحلية بعدما تمكن من فرض نفسه في الغرب أيضاً
هذه الصورة القاتمة عن انحدار الشريط المصوّر المحلي اضاءتها بين وقت وآخر ومضات لم يقدّر لها الاستمرار لاحيائه من جديد وشهدت دول عربية مثل لبنان والعراق وسوريا والمغرب ومصر بعض التجارب في مجال الشريط المصوّر المحلي كانت من دون غدٍوعَرَفَ لبنان قبل غيره تجاربَ للشريط المصوّر الموجّه إلى الراشدين،لكن ارتباط دور النشر اللبنانيّة بمقاييس السوق العربيّة التي تخضعُ في غالبيّتها لإشراف السلطة السياسيّة، وللمعايير الأخلاقيّة الإسلاميّة جَعَلَ من هذه التجربة مغامرة استمرارها غير مضمون
جورج خوري جــــاد