Wednesday, April 22, 2009

السمندل - الأربعاء 22 نيسان 2009


"السمندل": تقلُّب الإحتراف والهوايةً والإختبار...


ترددت كثيراً قبل الكتابة عن " السمندل" و" السمنيوليين"  كما الرغبة في أن نُسمّيهم. فمنهم الأصدقاء والتلامذة والمتحمّسون (رغم أن الحماسة وحدها لا تصنع فنّاً). فالتقليد الثقافي أن الصديق يُمْدَح ويُشَجّع، والخَصْمَ يُنتَقَد ويُهاجَم بغضّ النَطَر عمّا "اقترفته" مخيّلته وما أجاد إبداعهُ. والتقليد أيضاً أن العمل الناشئ يُشجَّع في بدايات تلمسّه لطريقه في ما نحن أمام العدد الرابع وثبات التجربة والنهج.
تردّدي أيضاً نبَعَ من تحديد طبيعة هذه المنشورة وتعريفها بنفسها. وللحال أخذتني ذاكرتي إلى أول مشاركة لي في المهرجان الدولي لفن الشرائط المصوّرة مطلع الثمانينات في مدينة آنغولام الفرنسيّة حيث المنشورات من الأحترافيّة إلى الهاوية وما يترافق معها من معارض وأنشطة، وتعرُّفي إلى منحى واسع وسوق ناشط لما يُطلقُ عليه إسم "الفانزين" Fanzines . وهي منشورات لهواة أومتحمّسين للشرائط المصوّرة يجمعهم عشقهم لهذا الفن وإن لم يكونوا من أهل الحرفة. وأهمّية هذه الفئة من المنشورات أنها سمَحَت في بعض محطّاتها بدَفقِ السوق المحترف برسّامين أصبحوا في ما بعد من مشاهير عالم الشريط المصوّر.
أما في تقديم "السمندل" لنفسَها فهي "تطمَح بأن تَرفَعَ من شأن القصص المصوّرة إلى مستوى التعبير الناضج" (وهي كذلك أذا المقصود البُعدُ عن عالم الأطفال، أما إذا كان النُضجُ التعبيري عنى إحترافيّة الرسم والكتابة والتجربة المغايرة، فمساحة النقاش والجَدَل هنا واسعة). وتأمل "السمندل"ً في "تخطّي الحدود الجغرافيّة (وإن طغى على المشاركين فيها حدودهم اللبنانيّة)، واللغويّة (وهي فِعلاً ناطقة بالعربيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة، وإن تكن الإنكلوساكسونيّة هي الطاغية على هويّتها)، من دون أن تنسى التقليد العربي بفقد الذاكرة و المرافق لإنطلاق أي عَمَل في تقديم نفسه، فهي "الأولى من نوعها في الشرق الأوسط (وليس العالم العربي! وهنا نقاش آخر)".
وما يزيد في غموض طبيعتها أن القائمين عليها كما وَرَدَ في العدد الثالث منقسمون في اختيار ما يجب قبوله أو رفضه من أعمال بين أن يكون "فريداً في التعامل مع الموضوع وهو أفضل من محاولة التشبّه بعَمَلٍ آخر" وبين "الجودة العالية شكلاً" فأي موضوع "لا يزعج طالما له قيمة فنّية". والمسألة هنا غير محسومة ووَجَبَ "التصويت قبلَ القبول بأي شيء على متن السمندل". و"المجموعة الديموقراطيّة" هنا هي المؤسسين على ما أعتقد: فادي باقي، حاتم إمام، عمر الخوري، لينا مرهج و طارق نبعة.
تردُّد من نوع آخر، أننا أمام عَمَلٍ جماعي لـ"قصص مصوّرة من هنا وهناك"، فيحتار المرء بين الحديث عن المفهوم-المقاربة والجامع المنظّم وراء المنشورة Concept and Organizer)) كما في المعارِض الجماعية، أو في تناول الأعمال نفسها مجتمعة أو فرادة، ومدى تماهيها مع الفكرة الأصل، أو إلتصاقها بالمفهوم لتبرير وجودها من دون أن تكون إحترافيّة. وكأني في "السمندل" أمام مشاركين من رسّامين و كاتبي سيناريو تجمعهم مجلّة محترفة التصميم (لا غرابة ومعظم القيّمون على المجلّة من متخصصي الغرافيك، وهنا الفرادة إن على مستوى اللوغو وتصاميم الأغلفة، إلى التنظيم الداخلي للصفحات). ملاحظة وحيدة ربما لها علاقة بتعدّدها اللغوي، وهي الإضطرار إلى قلب المجلّة رأساً على عقب أكثر من مرّة عند الإنتقال من لغة إلى أخرى واختلاف إتجاهات القراءة. وعلى رُغم أن هذا الإنتقال المتكرّر أوحى لإختلاق صفحة وفكرة خاصة به، غير أنه غير مُبرّر ويُصعِّبُ متابعة القراءة وكأننا أمام مجلاّت عدّة داخل مجلّة وليس منشور واحد له قسمه العَرَبي والآخر اللاتيني.
هي أقرب إلى المفهوم والتقليد الأنكلوساكسوني في الشريط المصوّر، والغالب الأميركي. قريبة من النشرات الهامشيّة لبعض ثقافة نيويورك المُصنّفة في خانة “underground comics” في الستينات أو لاحقاً السرد الغرافيكي ”graphic novel” (لإعطائه تصنيفاً ثقافيّاً بين الفنون لقلّة إحترام الأميركيين لهذا النوع لعقود) الذي هو أيضاً تعبير أميركي لكتاب الشريط المصوّر  (album)في القارّة القديمة. وكأن المخزون-المصدر للمجلّة في مقاربة الفن التاسع هي في هذا المفهوم الذي نراه في مجلات الراشدين مثل “RAW” و “MAD”أكثر منها في “A suivre” و “fumetti”وغيرها من مثيلاتها الأوروبيّة. منحى ثقافي لإعادة إنتاج ما هو موجود (أو لجهلٍ بما هو موجود ربّما) وإعادة صياغته حتى في تعابيره اللغويّة لرفع شأنه كما ورد في تعريف إختلافها (القصة المتسلسلة على حلقات تصبح Serialized comics بدلاً من Comics series، أو  One-shot comics كما في  RAW للقصّة التي تنتهي في العدد نفسه. ولا أدري إذا المقصود إستعارة اللغة السينمائيّة للّقطة أو قدح الخمر!)
لينا مرهج، في "مربّى ولبن" من الأكثر إحترافاً وشفافيّة وذاتيّة والأقدم تجربة (إذا إستثنينا مازن كرباج الذي غاب عن العدد الرابع). بعيدة عن أي إدّعاء في إعادة ابتكار شريط مصوّر "جديد" تأخذنا بالرسم و السرد إلى عالمها العائلي الخاص. مؤثّرة في سردها، بسيطة إلى حدّ إحتراف البساطة في الخط و اللون (لا أدري إذا كان قرار الأبيض والأسود في المجلّة نابعٌ من قرار فنّي-ثقافي أم من حدود ماليّة). هي ذاتها تُمعِنُ في تجربتها وتدفعها قُدُماً منذ إلتقيتها في فيلمها للرسوم المتحرّكة الأول عن الحرب اللبنانيّة بعد تخرّجها من نيويورك عائدة الى "مربّى ولبن" بلادها، إلى تجربتها الأخيرة في المجال نفسه مع ماهر أبي سمرا عن فلسطين.
و"السمندل" لا تخلو من السائرين في طريق الإحتراف أو صانعيه. عمر الخوري مثيرة قصّته عن "صالون طارق الخرافي"، لا تحتمل الأ نتظار إلى العدد المقبل مثلها قصّة The Educator”" لفؤاد مزهر. هذا الثنائي المختلف إلى حدّ التناقض في كل شيء من الركائز الأساسيّة لتجمّع "السمنيوليين". وإذا كان الأول يغالي في "لبنانيّة" لغته المبرّرة (لا أفهم النطُق بالفُصحى لوسيلة تعبيريّة حديثة مثله مثل المسلسل التلفزيوني أو الفيلم السينمائي)، يذهبُ الآخر لغة ومكاناً إلى الغرب الناطق الأنكليزية. عُمَر الخوري متوتر في أسلوبه و خطّه، حتى في إختيار كادراته وزوايا "كاميرته"، وهو وإن بدا في بعض الأحيان "مستعجلاً" إنهاء رسم، فيبقى متماسكاً سرداً ورسماً وإيقاعاً على مدى الأعداد الأربعة. متماسك هادىء نقيضه فؤاد مزهر. واثقُ الخط، مالك لعبة النور والظلّ، كثيف التعبير مؤسلب في رسم الشخصيات، لا تهزّ "كاميرته" إنفعال أو حتى... جريمة إعتداء.
من الركائز أيضاً  FLAB”" في El-Perceptor”" (نشرت بالألوان في 2004فيNucléa  لناشرها جان-لوك إيستان الذي بدأ هو الآخر في نشرات الـ"فانزين"). وهو وإن يذكّر باتجاهات حاليّة في الشريط المصوّر القائم على مثلّث العنف-الجنس-المال، فهو (الفرنسي الأصل واللغة) يعيدنا في أسلوبه السردي ورسمه المختلف للشخصيّات، إلى أساسيّات فن الشرائط المصوّرة من ناحية وضوح السرد ووضوح تسلسل الرسوم، معيداً الإعتيار لتواصل الكادرات vignettes”" ووظيفتها الأساسيّة في التعبير الزمني. ويطالعنا العدد الرابع بـ"عشاء لشخص واحد" (بالإنكليزية) لكاتبه عُمَر نعيم الذي أطلّ بمخزونه كاتباً سينمائياً متفرّداً فيما لا يزال في ذهني عمله السينمائي المميّز Final Cut”" (وكنت أتمنّى لو أسقط قصّته الصغيرة الثانية "أهلاً في بيروت" لعَدَم أهليّتها نصّاً ورسماً). رافقته ريشة جورج عزمي ليكوّنا معاً فريق عَمَلٍ يُحتذى به على صعيد التجربة المُغايرة، حيثُ يُحاكيان ما يُنتَجُ اليوم في عالم الشريط المصوّر الحديث، إن لجهة الحبكة القصصيّة وكيفيّة تناول موضوعها أو ترجمتها رسوماً وتقطيعاً للتسلسل الزمني. وانضمّ في العدد الرابع نفسه حرفيٌّون آخرون : دافيد حبشي في "أبو كيس"، ورالف ضومط في "قصّة الرجل-العصفور" (بالفرنسيّة) مع التمنّي ألاّ تكون مشاركتهم عابرة و مقتصرة على عددٍ وحيد.
أما غالبيّة الآخرين (ولن أتناول هنا مثل FLAB  المشاركين غير "الشرق الأوسطيين" وإن كان نتاجهم يتفاوت جودة واحترافاً مثلهم المحلّيين)، فهم إما كتّاب سيناريو أو أصحاب أفكار بصريّة يبحثون عن رسّامين محترفين، من أمثال حاتم إمام و سيرج مانوكيان وهاشم رسلان ومريم يَكَن، أو من الهواة والمتحمّسين للشرائط المصوّرة يحاولون التجريب والإختبار في مساحة "السمندل" التي فتحت أمامهم فسحة التعبير وكأن ضمن أهدافها خَلق "حركة أنصار" للشريط المصوّر "المختلف" وإن كانت البداية تحتاج كثرة العدد على حساب الإنتقاء.
وهنا ربّما تكمُنُ الهويّة الفعليّة لـ"السمندل" ودقّة إختيار إسمها. نشرة للشريط المصوّر تتلوّن بأطيافٍ تُراوحُ بين الإحتراف و الهواية والتجريب والحماس. "السمندل" تتماهى في كلّ قصّة مع طيفها شكلاً ومضموناً وليس لغةً فقط.


جورج خوري (جــاد)