Tuesday, May 12, 2009

مترو - الثلثاء 12 أيار 2009


"مترو" الشافعي: محطات مستعارة وفعل حبّ لمدينة


حين وصلتني نسخة عن ألبوم "مترو" (والأرجح أنها نسخة يدوية الصنع لسوء طباعتها وتوليفها وتجليدها)، كانت الضجّة التي أُثيرَت حول أوّل كتاب شرائط مصوّرة مصري للراشدين تراجَعَت أو خفتت في إنتظار الموعد الجديد للمحاكمة التي يساق إليها المؤلف الرسام مجدي الشافعي و الناشرون من دار " ملامح" في 23 من الجاري. ولمتابعي فن الشافعي (مواليد 1961، بدأ شرائطه المصوّرة في مجلّة "علاء الدين" التي تصدرها دار الأهرام، ثم في جريدة "الدستور" في 2005، و خصوصاً غير المنشور منها مثل "أبٌ من الجنوب" (اللبناني) عن الغزو الأسرائيلي للبنان) كان متوقّعاً أن يقوده نشاطه "غير المحسوب" (وثقافتنا باتت فن الحساب والرقابة الذاتية) وحماسه "المتهوّر" (صفة ما زالت تلازم قلّة ممن يربطون فنّهم بواقع مجتمعاتهم) وعشقه "الأعمى" للحريّة (والمبصرون من مثقفينا آثروا إزاحة أنظارهم عنها وعدم الإنفعال لغاية في أنفسهم) إلى ما آل إليه.
نحن إذاً أمام عمل مصري فنّي سياسي بامتياز. وللذين أدهشهم تجرّؤ الشريط المصوّر على السياسة والمحرّمات الإجتماعية والدينيّة، تذكير أن هذا الفن (وهو ما يعرفه الشافعي وغيره من محترفيه ويؤكدون عليه في أكثر من مناسبة) قام في الأساس حركة نقدية لاذعة بديلة للفن "الرسمي" (من دون أن تكون ساخرةً بالضرورة) تتجاوز الكاريكاتور السياسي الآني إلى سرد الحكايا وتجارب فنون التعبير على أشكالها قبل أن يتقوقع (عندنا، فـ"العالم الآخر" في مكان آخر) في مجال أدب الأطفال والتوجيه التربوي والأيديولجي والسياسي للناشئة. وكأن الشافعي، مثله تجارب قبله والمطلوب أخرى بعده (ولبنان رائد في هذا المجال)، أراد أن يعيد هذا الفن إلى أصوله الأولى إن لم يكُن تصويب مساره عندنا. هو الذي "إعترف" (في صفحة الإنترنت الخاصة به) وقبل سوقه إلى المحكمة عن "الهوس في إطلاق الشريط المصوّر فناً مكتملاً وأدباً رفيعاً" يتناول كافة جوانب الحياة. (لا ندري إذا كان المحققون أضافوا هذه الشهادة إلى ملف الإتهام والإعترافات).
وفي عودة إلى "الأدلة"، أن "مترو" قصة مهندس ألكتروني شاب (ليس فقيراً بالضرورة) يُدعى "شهاب"، أعدّ نظام برمجة الإتصالات لمترو القاهرة، لكن نبوغه الفردي أزعج "ممثلي الشركات العالمية في البلد. دي ناس جامدة قوي.. ما يسمحوش للواحد يطلع في السوق (...) رَشوا المسؤولين وطبعاً طيّرونا.. وفضلوا ورانا لحدّ ما فلّسونا". وتبدأ مشاكله في القصّة (والحقيقة ربّما) حين يخرج عن طاعة الكبار ويبدأ الشركاء والدائنون بملاحقته. يتعاطف مع "الغلابة" أمثال "مصطفى" مساعده الشاب الفقير المعدوم، و"ونس" ماسح الأحذية العجوز الصعيدي الأعمى (الذي يؤكد لاحقاً على إسمه المسيحي "الشغلانة الوحيدة في مولد السيدة زينب اللي ما حدّش بيسأل فيها إن كنت مسلم ولاّ مسيحي"). على علاقة غراميّة بـ"دينا" الصحافيّة الشابة التي تمنحه حبّاً "من دون مقابل..مش كل الرجّالة بتفهم ده لكن إنت بتحترم ده"، وإذا تغيب عنه "علشان أشارك في مظاهرة ضدّ الفساد.. ما أقدرش أسيب زمايلي دلوقتي.. دي الحاجة اللي بتحسسني إنه لسّه فيه أمل..."، لكن "شهاب" وإن يحترم مها لا يوافقها سذاجتها في إمكان التغيير.
هو الشخصيّة المحوريّة، مثيل "روبن هود" أُسقِط في قاهرة بداية الألفيةالحادية والعشرين. يُشهِرُ هامشيته من الصفحة الأولى، "كل ماأعرفه إن الناس كانوا دايماً في ناحية.. وأنا في ناحية ثانية وبقي لي شيء واحد: دماغي". لا يعادي النظام عن حاجة أو فقر إنما "علشان بأحب إضحك على السيستم (النظام).. الحقيقة ده مش سيستم ده طابور طويل من الأسرى اللي مش عارفين يخرجوا منه ويروحوا على فين". يتكرّر عنده الكلام عن "المصيدة اللي مدخّلين الناس دي كلها فيها" في أكثر من مرّة ملامساً السقوط في الكلام الواعظ، كذلك إستهدافه المتواصل لرموز السلطة السياسيّة "الكلّ مشغول بأمن وسلامة شخص واحد بس...وأي مفاجأة بتعدّي عليهم". يُنقذه إندفاعه الجسدي للدفاع عن العم "ونس" مرّة، أو عن "دينا" مرّات أخرى. يُتقِنُ فن "التحطيب" (القتال بالعصي) الذي تعلّمه من والده لغاية الدفاع عن الحق، وإن استعمله في سرقة المصرف (بعد أن أجاز لنفسه حقّاً في مال الأغنياء). شهامته وأخلاقياته ليست من المتوارث الشعبي بالضرورة، فهو لا يمانع إقامة علاقة جنسيّة مع حبيبته من دون زواج (ولا هي تمانع أيضاُ، وربّما في ذلك وفي رسم عارٍ وحيد من الأدلّة لدى الأدّعاء العام ضدّه)، لا يؤمن بالتنجيم ولا يقيم للتقاليد والإحتفالات الشعبيّة وزناً.
"مترو" مجدي الشافعي محطّات. لافتةٌ إستعارة أسمائها لزعماء في تاريخ مصر الحديث. لافتٌ أكثر إستخدام الشافعي لتلك المحطات الأسماء والشعار المُرافق لإسم كل زعيم ومنه ما هو مُقتَبَس من أقواله. فمن "بلا ضمان..بلا نيلة" في محطّة (الرئيس) محمد نجيب إلى "دي مش إنتفاضة شعبيّة..دي إنتنفاضة حرامية’" عند محطّة (الرئيس) أنور السادات، "من أجل غدٍ أفضل مبارك" يافطة إمضاء أمين الحزب (الحاكم طبعاً) في محطة عزبة النخل، لينتقل إلى "مظاهرة كفاية" عند محطة (الزعيم) سعد زغلول، "بنقول.. الكفاية والعدل" محطة (الرئيس) جمال عبدالناصر لينتهي بـ"ما إنتو كتير...أعمل لكم إيه؟" في محطّة (الرئيس) مبارك.
محطّات ساعدت أيضاً على التوقف لحظة إستراحة وتأمّل في نهاية كل مشهد وقبل الإنتقال إلى فصل جديد في الرواية. وهي حلّ غرافيكي مُبتكر إستعان به الشافعي لتحضير القارىء للأجواء المقبلة. صفحات تُظهرُ قدرات الفنان الغرافيكيّة وخلفيّته الحرفيّة بامتياز. محطّات شكّلت الرافعة الأساسيّة للتعبير عن "المحلّية" التي تُميّز قصّة "مترو" ورسومها.
محلّي بامتياز هو مجدي الشافعي. لغته المحكيّة المصريّة (واجهتني في البدء صعوبة في القراءة غابت بعد الصفحات الأولى) أعطت صدقيّة أكبر للشخصيّات، وألصقتها بواقعها الأجتماعي وخصوصاً في تمايز لكنة "ونس" الريفيّة، ومدينيّة "دينا" وطريقة كلامها. محلّي "قاهريّ" أيضاً في إلتقاط التفاصيل البصريّة للشوارع والشواهد، وتفاصيل العمارة المدينيّة وضواحيها الطينيّة المهملة، إلى درجة الإغراق فيها وحشرها في الكادرات الصغيرة التي تكاد تنفجر بها. وكأن الشافعي أراد أن ينقُل لنا زحمة المدينة وبحر الناس وما يميّز القاهرة مدينة، ببحر التفاصيل المرسومة والغرافيكيّة. وهنا حقّق من دون شكّ مبتغاه. محليّ هو أيضاً باحتراف في نقل أشكال الناس وتنوّعهم من "ونس" الريفي شكلاً وملبساً، إلى "دينا" "بنت المعادي" بقصّة شعرها وحركاتها الجسدية، تلبس الجينز الضيّق والقميص القصير، إلى الأغنياء المترفين وبطونهم المترهّلة فالــ"بلطجيّة" المشاكسين ورجال الشرطة وقوى الأمن. وبلغ هوسه في نقل الواقع البصري إلى استخدام أسلوب الرسم الحيّ المباشر (sketches) في بعض الخلفيّات وكأنه غير مكتمل. وحده "شهاب" خرج عن محاكاة واقعيّة الرسم، وهو وإن حافظ على "محلّية" الشكل إلاّ أن رسمه كان مؤسلباً (stylized) بعيداً عن التفصيل إن كان في جسده الذي اقترب بعضلاته وتقطيعه الجسدي من الأبطال الخارقين أوخطوطه. وربّما هذا ما أراده الرسام، بطلٌ محلّي غير موجود في الواقع (وزمن الأبطال ولّى عندنا)، يستعيره من حُلمه في التغيير وتداعيات مخيّلته.
يبقى أن "محلّية" الشافعي التصويريّة فعل حبّ لخطوط مدينته، وعشق لناس بلده على اختلافهم، تفاصيلها محفورة في ذاكرته، ورسومها موثّفة في يده تُسقَطُ بعفويّة عارية كما للشريط المصوّر أن يكون تعبيراً ودوراً.
في آخر الكتاب ينحني "شهاب" فوق "ونس" مخاطباً إياه بعد إصابة الأخير بليغاً في تظاهرة للمعارضة شارك فيها من دون قصد منه "كان إيه بس ذنبك تموت الموتة دي.." فيجيب "أحسن حاجة في حياتي هي موتتي.. عم أموت حُرّ". إذا مات "ونس" ليعرف معنى الحرّية نأمل ألا يكون سوق فنان وراء القضبان الطريق ليعرف هو الآخر قيمة التعبير الحرّ. نأمل أن يمضي "مترو" القاهرة في طريقه ولـ"أم الدنيا" ألا يفوتها القطار...
جورج خوري (جــاد)