Friday, June 5, 2009

إدغار آحو - الجمعة 5 حزيران 2009


إدغار آحو : فنّان لشريط مصوّر إنتهى باكراً
تماهى مع شخصياته فحلّق في فضائها...


"مبارح دقّت سمكة على بابي وقالت لي البحر فَلّ... حتى خياله عن الوَرَق فلّ"... لا يختلف إثنان من الذين رافقوا المسيرة الفنّية لـ إدغار آحو (الذي غاب عنّا في مثل هذه الأيام قبل ست سنوات) على أنّه كان رسّاماً فريداً للشريط المصوّر اللبناني والعربي، وأنّه رَحَلَ باكراً، وربّما باكراً جداً. ويُجمِعُ الذين عَرفوا عن قُرب "إدي" (كما كان يرغَبُ في أن نناديه)، أنه عاش كما رَحل في عالم خاص به، إبتكره من ذاته ووضعه نصّاً ورسماً على أوراقه البيضاء التي نُشِرَت في صفحات جرائد ومجلاّت، وعلِّقَت على جدران معارِض محلّية وعالميّة.
أذكُرُ حين التقيته للمرّة الأولى منتصف الثمانينات من الماضي، راغباً في الأنضمام إلى ورشة عمل للشريط المصوّر أقمتها في معهد غوته الثقافي الألماني (كانت نواة إنطلاق "محترف جــاد" لاحقاً) عَرْضَه أن يُقايضني رسوماً بدَل قيمة الأنتساب إلى الورشة. وكان جوابي بعد رؤية رسومه أنها تساوي أضعاف القيمة، وأنّه مُحترِفٌ بالفطرة (رغم عدم إنتسابه إلى أي من معاهد الفنون). وبدا لي أنه لا يعرِف القيمة المادّية لفنّه، وهو بقي حتى آخر لحظة في حياته لا يُعير المادة أي اعتبار.
"أثيريّاً" مُحلّقاً كان "إدي"، كما شخصياته التي رَسمها: من "رامح" الجمل الذي يُحبّ التنقّل على بساطه الطائر عوض السير أميالاً (منشورات "هزار" 1990 وكان بدأها في الثمانينات) إلى "المفتش لمبة" الذي يسير قفزاً متحدّياً قوانين الجاذبيّة الأرضيّة (للناشر نفسه)، والولد الخارِج من الحائط ليذهب فيسبح فوق القمر في "عتمة الزواريب" (ألبوم "من بيروت" لمحترف جــاد عن الشركة العالمية للكتاب، 1989)، وابتداءاً بأولى رسومه مصوّراً نفسه منفلتاً من عينٍ خرجت من الأرض لتشهَدَ على الحرب (وإدغار كان مسحوقاً بها، تلبس كيانه، هو الذي خَسِرَ خلالها أو بسببها الأب والأخ وفي مرحلة لاحقة الأم).
ومِراراً تساءلتُ ماذا كان يُفكِّرُ "إدي" لحظة قرّر أن "يُحلِّقَ" بجسده من فوق مبناه ليُغادرنا إلى عالمه؟ قيل أنّه انتحر يأساً من الحياة التي يعيش في لحظة التباس وأنا أحبّ أن أعتقد أنه أراد أن يتماهى بالشخصيّات التي رسمها وآمن بوجودها حقيقة، فأراد لقاءها في فضائه، مصدّقاً أنه هو أيضاً يستطيعُ التحليق (وربّما فعل ما لا نُدركُه). ولافتٌ كيف أن رفاقه في مجلّة "زيرو" zero (آخر منشورة شارك فيها بانتظام وأصدَرت عدداً خاصاً به بعد رحيله، العدد السادس 2003)، أجمعوا في رسومهم التكريميّة على أثيريّة زميلهم ولا مادّيته قبل أي صفة أخرى. حتى في رقصه (وكان يعشق مجارات الموسيقى بجسده) كان، وفي لحظة معيّنة لا يعرفُ موعدها سواه، يمضي وحيداً و"يطير" وكأنه في تصاعد صوفي مع كل نوتة موسيقيّة، فيما تتسع المساحة حوله ويتوقّف الجميع ليشاهدوه يُحلّق. وفي هذا أيضاً كان له أسلوبه الخاص.
"سوريالياً" ربّما كان في انتماء نصّه وأسلوب رسمه، لكنّه في التأكيد كان نسيج ذاته الفنّية. ليس لرسومه مرجعاً سوى ما اختطته يداه (وكان يكرّرُ محاولة الرسم باليسرى في حال "ملّت" اليمنى الأنصياع!). وليس لنصّه سوى ما جال في مخيّلته من رؤى. وغالباً ما كان يتهكّم على نعتِهِ بالسوريالي من النقّاد (وهُم إذا لا يُصنّفوا لا يستطيعون الإدراك) وكان يُجيبُ بجدّية: "أنا سرياني مش سوريالي". وهو كذلك خصوصاً في مرحلة تأزّمه الأخيرة حين انكبّ على تعلّم السريانيّة لُغةً وثقافةً. مهووسٌ بلعبة الألوان وإتقانها (أين منه رسّامو اليوم في مجاله) وبمحاكاة الخيال البصري ليُصبِحَ حقيقةً يقتنعُ بها هو أوّلاً قبل إدهاش الآخرين بها. "ما تعانِد اللون الأسود... خلّيه يمرّ... في ألوان كثيرة ناطرة وجايي... وهيك حملت خيالي ورجعت على البيت... ونمت" (من "عتمة الزواريب" 1989).
وكما في رسومه وألوانه كان "إدي" فريداً في نصوصه. وللذين عرفوه عن قُرب لم تكُن سوى صدى لشخصيته ولمحاكاته اليوميّة لمحيطه، وبهذا المعنى كان قدريّاً. أذكر أيضاً يوماً خلال "حرب التحرير" وكنتُ عائداً معه ووسام بيضون (ما تبقّى من محترف جــاد) من مقهى الـ"بلو نوت" واقترب وقت القصف على منطقة رأس بيروت (وكان جنرالات القصف في تلك المرحلة متمسّكين بدقّة التوقيت وعشوائيّة الأهداف). رجوناه أن يُسرِعَ الخُطى للوصول إلى الملجأ، "ما بدّي إتعب... بدّي عيش كثير... بدّي إفرح بمشوار الطريق... شوفوا السما شو لونها حلو..." وعرفنا أنّه يعيش في تلك اللحظة قصّة سنقرأها لاحقاً، وبالفعل نُشِرَت في الأسبوع التالي من ضمن "مذكرات ملجأ" (سلسلة أسبوعيّة لمحترف جــاد في جريدة "السفير" في 1989). شخصيّاته كانت أيضاً متميّزة بغرابة انتقائها: جملٌ مثقّف ناطق، جدران تحيا "في عتمة البيت، كانت الحيطان عم تزور بعضها (...) حيط الزاروب في بيني وبينه إلفة عتيقة..."، معاناة صرصار تحت القصف (من "مذكرات ملجأ")، "سين وجيم"، علامة إستفهام وعلامة تعجّب، وتداعياتهما الفكريّة (سلسلة تحريك لتلفزيون المستقبل)، أُذن الفنان فان غوغ ومحاولة هروبها من الضوضاء القاتلة. وكأن إدغار آحو وجد نفسه أقرب إلى الأشياء التي يعيشها والحيوانات التي يتخيّلها منه إلى أشخاص وناس محيطه، يعرف التعامل معها، يُتقِنُ لغتها ويتفاعَل مع "أحاسيسها"!!!
من الشريط المصوّر إنتقل إدي إلى فن التحريك (من دون التخلّي عن الأول كما فعلنا جميعاً) هو الذي لم يكُن يعرفُ شيئاً عن الكمبيوتر. وبسرعة أذهلت الجميع أصبح مالكاً لتقنيّة تجاوزت من هم أصحاب إختصاص. وكنت دائماً في فريق العمل أعطيه مثالاً على إمكان التحوّل من الورقة إلى الشاشة الرقميّة: "إذا استطاع إدي ونجح، فأي شخص يمكنه ذلك". أتقن قراءة الحركة، تفكيكها، وإعادة تركيبها بأسلوبه المميّز. سلسلته "سين وجيم" تشهد على قدرته على تحريك أشياء (وهنا أحرُف) وكأنها كائنات حيّة (وأقنَعَ بذلك)، وقدرته الفائقة على إبتكار شخصيات حيّة من بضعة خطوط كما في سلسلة "الديكتاتور". أعتقدُ أنّه عاش شخصيّاته (وكانت كلّها تشبهه) فعرِفَ حميميّة حركاتها ونقل بواقعيّة قلّ مثيلها تفاعل أجزائها كما لو أنها أجزاءه. وأصعب ما في فنّ التحريك إعطاء بُعدٍ كيانيّ ونفسيّ للشخصيّة المراد ابتكارها، وإدغار آحو تميّز حيثُ بَرَعَ آخرون. ولا تزال أعماله تثير الإعجاب والدهشة إلى يومنا.
  في إحدى حلقات سلسلته الأخيرة التي نشرها في مجلّة "زيرو" (من رسومه وإعداد مشترك مع ربيع مروّة)، يتعرّض "رامز" بطل السلسلة للخطف من قِبَلِ يدٍ ترتدي قفازاً تُهدِّدُ أهله بقتله إذا لم يدفعوا فدية. وعندما يرفضون، ويرفُض كل أصحابه أن يدفعوا "ولا حتى قرش واحد"، يثير غاضباً من الإذلال ويهجم على اليد لقتلها انتقاماً. عندها نَكتشِفُ أن رامز يلعبُ وحيداً مع يده، ويكتشفُ هو خطورة الوحدة "بتخوّف هاللعبة... مثل كابوس... ما بقى رح إلعب مع حالي هاللعب أبداً... تمثيليّة بشعة". وفي كل حلقة موقفٌ غاضب من والديه "ألو ماما؟...كيفك... بس أنا زعلان كثير منك ومن بيّي... هيك بتتخلّوا عني بأحلك الظروف؟... يا عيب الشوم...". ولمتابعي رسوم هذه السلسلة كان واضحاً من التغيير الكبير في الأسلوب، وتفكّك الخطوط والأطر، أن إدغار آحو بدأ رحلة جديدة من إبداعه-حياته، لكن أحداً ربّما لم يكُن على دراية بعُمق هذا التحوّل. ربّما كنّا سُذّجاً لأعتقادنا (أو تمنّينا) أن "إدي"، ولو لمرّة واحدة، يضعُ على الورق قصّة من خارج ذاته المختلفة، ورسماً مغايراً لما يعيش في العُمق...
"مبارح دقّت سمكة على بابي وقالت لي إدي فَلّ... حتى خياله عن الوَرَق فلّ"... لكن إدغار ما زال حاضراً في ذاكرة من عرفه عن قُرب أو من خلال أعماله...
إدغار آحو رَحَلَ باكراً...

جورج خوري (جــاد)