Wednesday, October 7, 2009

لينا غيبة - الأربعاء 7 تشرين الأول 2009


لينا غيبة حطّت في بيروت وعشقتها شرائط وتحريك
"هل الحروب يا تُرى تعمّق سواد العيون؟"

منذ أن حطّت رحالها في بيروت منتصف الثمانينات من الماضي، شكّلت لينا غيبة[1] علامة فارقة في فن الشريط المصوّر (ولاحقاً فن التحريك) في بلادنا. هي التي أحبّت هذه المدينة إلى درجة التماهي معها، وكرّست لها معظم إنتاجها في مجالي الشريط المصوّر والرسم المتحرّك. رافقتها في حروبها الصغيرة ووقفت إلى جانبها في تحوّلاتها الكبرى (وهي ليست بقليلة) وحملتها معها إلى العالميّة مشاركة في مهرجاناتها وحاصدة بعض جوائزها. وحدهم الذين عرفوها عن قُرب ادركوا أن مفتاح الإحاطة بفنّ لينا غيبة هو هذه العلاقة الحميمة التي جَمَعَت شبيهتين: مدينة ملتبسة الهويّة شاءت الصدف أن تكون على خطّ تماس صراع ثقافات، وامرأة تتصارع مكوّنات ثقافتيها الغربيّة والمشرقيّة في هويّة واحدة لا تعرِفُ الإستكانة.
فنّانة صداميّة هي لينا غيبة،  وكأنها تريد التذكير أن فن الشريط المصوّر بدأ، وما زال، فنّاً يستفزّ السائد، والمتعارف عليه، والمُجمَع حوله، والمتوافق عليه من دون أن تكون عدائيّة. وليس غريباً أن يكون شريطها الأول عن المتمرّد الأزلي الذي عُلّق على الصليب، حيث اختصرت مأساته بصفحتين لصرخة مدويّة من الوجع القاهر والدّعوة إلى رفض الظلم. مواضيعها ملتزمة الأنسان – إنساننا وليس أي إنسان آخر- ومعاناته، حالمة له بعالم أفضل تعرفُ أنّه موجود وإن لن يأتي، من دون أن تكون بالضرورة دراماتيكيّة. إلتصق إنتاجها بكلّ المواضيع المثيرة للجدل في مجتمعنا من حقوق الطفل (فيلمها القصير كان المشاركة العربيّة الأولى في مهرجان Annecy الدولي لرسوم التحريك) إلى حقوق المرأة (وغالباً ما تنحاز إليها)، معاداة الحروب، فقضيّة المفقودين، إلى "طفح الكيل" من دون أن تقع في المباشرة أو الخطاب السياسي التحريضي" فتبقى رسومها صالحة لأي زمان ومكان يشهد ظلماً، هي التي تنتمي إلى أي زمان ومكان! 
غالباً ما تُبقي لينا غيبة مواضيعها مفتوحة على التأويل، وكأنّها لا تهتمّ بالقصّة بقدر ما ترغب في لفت النظر والدعوة إلى التفكّر في حالة إنسانيّة خاصّة. في "رايح موت بدّي عيش" (من كتاب "من بيروت" لمحترف جاد) تُصوّر يأس شاب أقعدته الحرب، سيّارته متوقّفة على حافّة الكورنيش فيما يختفي هو من دون أن نعرِفَ إذا أقدم فعلاً على الإنتحار أم لا. تبحثُ عن شخصيّات مهمّشة من حياتنا اليوميّة باتت جزءاً من المشهد العام المنسي لمدينتنا، فتدفعها إلى الواجهة من دون إفتعال تغيير في حقيقتها أو تحويلها أبطالاً. هكذا رَسَمَت "بيّاع الياسمين" قرب ملهى الـ"بلو نوت" الذي انتهى سورياليّاً شخصاً من رَمل انسكب على الرصيف من كثرة الإنتظار ومن دون انتباه أحد من المارّة. ولهذا ربّما أتت معظم شرائطها (ورسومها المتحرّكة لاحقاً) صامتة عن أي حوار أو حديث، وكأنها بالصمت (أو الموسيقى ومؤثراتها في أفلامها القصيرة) والبراعة البصريّة تريد تكثيف الإنفعال باللحظة وعدم التلهّي بغير المرئي المُثقل بالمعاني.
مصوّرة اللّحظات الإنسانيّة والحالات الخاصّة. تتجاوز المواقف السياسيّة بمعناها اللبناني من دون أن تكون "إستشراقيّة". تنزع عنها الحزبي و المناطقيّ والأيدلولوجيّ لتنحاز إلى أفُقها الأنساني. منحازة إلى الضحيّة من دون مواربة وإن انتمى إلى فئة "الظالمين". فتؤنسن فرديّته ولحظة فقدانه سلطته، وكأنها ترى الخير في جوهر الطبيعة الأنسانيّة أيّاً كانت المناسبة. في "الحاجز"، حيثُ يطغى المطر وصوت الرّعد (غير المسموع)، تتعاطفُ - أو تريدنا أن نتعاطف- مع شاب من الميليشيا يقف ليلاً، وحيداً، عند حاجز تقاطع "تلّة الخيّاط" لحظة تخترِقُ رصاصة مجهولة ظهره فيهوي ببُطءٍ وصمت من دون انتباه أحد بمن فيه رفاقه. في "يا ولدي" فيلمها المتحرّك الأخير، تُرافقُ بصمتٍ امرأة تشربُ القهوة صباحاً، تأخذ باصاً عاما إلى ساحة رياض الصلح لتقعد وحيدة وبين يديها صورة ولدها المفقود (من دون أن نعرف إذا كان من المفقودين عند الميليشيات خلال الحرب الأهليّة أو في السجون السوريّة) تسكب دمعة مع نهاية النهار لتعود إلى بيتها وحيدة تشرب القهوة من جديد، تجهش في البكاء، تعلّق محرمتها فوقها لتجفّ وتستخدمها في اليوم التالي الذي يكرر ما سبقه. وحدها صرخة "يا ولدي" لعبدالحليم حافظ من "قارئة الفنجان" تدوي على إيقاع موسيقى ملحميّة أسبانيّة.
فنّانة بصريّة بامتياز هي لينا غيبة. تحترف فنّ التصوير من دون كلام، وكأنها تكره الثرثرة (التي تبدو طاغية في فنوننا اليوم) وتعتبر أن الصورة وحدها تكفي لنقل المعنى، وهو تحدّ صعب لمن يتوجّه إلى جمهور (ومثقفين؟) الخطابة أساس ثقافته، والصورة على هامش تربيته ولم تُصبحَ بعد في صميم نقاشه الفنّي والفكري. تُساعدها في ذلك مرجعيتها التشكيليّة و الغرافيكيّة الصلبة التي تترك بصمات واضحة على أعمالها: حرارة ألوانها وتناسقها تُخفّفُ من سوداويّة مواضيعها تاركة لنا فسحة الأمل الوحيدة. ومؤسفٌ أن يتخلّى شريطنا المصوّر الحالي عن التنوّع اللوني ("السمندل" وغيرها من المنشورات للراشدين) لصالح ثقافة الصورة الأحادية اللون. أما تأليفها فيكسر الأطر عند الضرورة كما في صفحات "البصّارة"، أو يكثر من الأستعارة الأخراجيّة السينمائية، فلا تتركنا لحظة ننسى أنها وليدة الثقافة المعاصرة للصورة المتحرّكة كتاباً وشاشة تلفزيون وفيديو كليب وسينما. هذا دون أن ننسى استخدامها لجماليّات الخطّ وتطويعه في خدمة التعبير البصري أو التأليف الأخراجي.
لافتةُ أيضاً براعتها في المزج بين أساليب رسم متعددة في القصّة الواحدة، وأحياناً في الإطار الواحد (تعدّدية الهويّة؟). في رسوم "من بيروت" ترسم الخلفيّات والتفاصيل بواقعيّة المتمرّس لتضيف إليها شخصيّاتها المرسومة بأسلوب كارتوني لا يمكن إلاّ أن يلفت النظر، وربّما عن قصدٍ منها لتجعلنا نتعاطف مع شخصيّاتها. ويمكن أن تلجأ إلى العكس، كما في بعض أفلامها القصيرة مثل "سبعة أيام في الأسبوع" التي تحكي واقع المرأة العاملة في مجتمعاتنا الذكوريّة. وكأن لينا غيبة من فئة نادرة من "السحرة" الفنّانين الذين يتقنون "الشعوذة" البصريّة وتركيباتها "الخيميائيّة" فلا يمكن أن تترك المتلقي غير مبالٍ. ولمن يعرفها، فإن هذا جزء مما هي عليه في الحقيقة، إمرأة تهتمّ بتفاصيل ذاتها وأشكالها وألوانها المنمّقة لتتماهى والشخصيّات (النسائيّة) التي ترسمها، أو العكس!
معالجتها الأبداعيّة تنطلق من صياغة فكرة مبتكرة إلى طريقة تخيّلها بصريّاً بلغة خاصة بها لا يحاكيها أي من فناني الشريط المصوّر عندنا. يمكن قول الكثير عن "فنون" لينا غيبة لغزارة إنتاجها وتنوّع ممارساتها واستمرارها دون انقطاع وبكثير من المفاجآت. يبقى أن فرادتها في أنها شبيهة ذاتها فنّياً. ونادراً ما نرى عندنا من امتلك لغته وأسلوبه ومفرداته البصريّة بعيداً عن مرجعيّة ما.
في أولى شرائطها المصوّرة رسمت لينا غيبة الحرب عندنا بعنوان: "هل الحروب يا ترى تُعمِّق سواد العيون؟". سؤال لا تزال لينا غيبة تبحثُ عن جواب له بعد عقدين من الأنتاج الفني في أحوال بلادناالمثقلة بالحروب والأزمات، وكأنها لا تدرك أن عيونها الجميلة تحثّنا باستمرار على أن نرى الجمال في أنفسنا وسط مأساتنا المتكرّرة. جمالٌ ربّما، فقط ربّما، حين يلفتنا إليه من هو غيرنا تُفتَحُ لنا نافذة أمل...
لينا غيبة شكراً...



[1]  لينا غيبة دانماركيّة-سوريّة من مواليد 1967. أتت إلى بيروت منتصف الثمانينات بعد ترحال بين عواصم عربيّة لتدرس الفنون التشكيليّة في كليّة بيروت للبنات (الجامعة اللبنانية الأميركية حاليّاً)، وفي موازاتها الفنون الغرافيكيّة. إنتقلت إلى الولايات المتّحدة لتحصّل شهادة في الماجستير مع إختصاص في فنّ التصوير الفوتوغرافي، لتعود إلى بيروت حيث تقيم منذ 1991. من مؤسسي قسم التحريك الـAnimation في تلفزيون المستقبل. التحقت منذ 2006 بالجامعة الأميركيّة في بيروت استاذة متفرّغة تدرّس فنون التحريك والتكنولوجيا الحديثة.