Wednesday, August 5, 2009

زينة أبي راشد - الأربعاء 5 آب 2009


زينة أبي راشد في "أن نموت، نرحل ونعود: لعبة طائر السنونو"
ذاكرة جماعية زمن الحرب نفتقدها وقت السلم

"شبيهة مرجان ساترابي (مؤلفة "ميتروبوليس" الأيرانيّة الأصل) ". عبارة متكرّرة سمعتها من قُرّاء ومتابعي الشريط المصوّر في لبنان وكانت الحافز الأساس لمراجعة كتاب زينة أبي راشد "أن نموت، نرحل ونعود: لعبة طائر السنونو" عن دار كامبوراكيس بمساعدة "المركز الوطني للكتاب" في فرنسا. عبارة تختصر خلفيّة تناول البعض من المحترفين لأي عمل فنّي يواجههم ويتطلّب منهم موقفاً (لا أعلم ممن؟) ورأيا (غالباً ما يُبنى على حدود متواضعة في المعرفة المتخصّصة، أو على مبدأ التقليد السمعيّ، خصوصاً أن كثيرين هم من الثقافة الأنكلوساكسونيّة، ولا يتكلّمون الفرنسيّة أساساً وهي لغة أبي راشد ومخزونها الثقافي).
وإذا كان النقدُ المقارَن لا يُساعد بالضرورة على مراجعة نتاج ما، فهو في حالة زينة أبي راشد مدخلٌ مُفيد لأعطاء نصّها ورسومها ما تستحقّه من تمايز أو خصوصيّة.
في النصّ، تنتمي أبي راشد إلى الشريط المصوّر السردي-الذاتي (الأوتوبيوغرافي) حيث ينهل المؤلّف-الرسّام من ذاكرته وسيرته (أو سيرة المكان) موضوعه. وهنا أيضاً ليست ساترابي الأولى كما أن لينا مرهج اللبنانية في "مربّى ولبن" لن تكون الأخيرة (سبقهما إلى ذلك فريق محترف جاد في "من بيروت" و "مذكّرات ملجأ" عن ذاكرة مدينة الحرب وواقعها المعاش بإختلاف مؤلفيها)، هذا دون ذكر الكمّ القصصي المماثل في الغرب عموماً.
تروي أبي راشد قصّة من واقع عاشته خلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة في "المنطقة الشرقيّة" لبيروت كما كانت تُعرَف وتحديداً عند خط التماس في منطقة مار مارون شارع جرجي زيدان. هي قصّة عائلة (أبي راشد) وفصل من يوميّاتها يختصر أي مكان وزمان في تلك الفترة. والدان يذهبان لزيارة الجدّة في الشارع القريب ولا يستطيعان العودة إلى المنزل بسبب القصف، فيبقى الولدان (زينة وأخوها) برعاية بعض سكان البناية الذين يجتمعون عندهم في العادة كونهم في الطابق الأرضي (الأكثر حماية، مبدئيّاَ). الكتاب (الأكمل والأهمّ في المجموعة الصغيرة من كتب أبي راشد) قصّة واحدة تبدأ وتنتهي بين صفحاته على عكس ساترابي أو مرهج اللتين تسردان مشاهد متناثرة لا يجمعها بالضرورة تسلسل زمني، أو شخصيّات ثابتة ومؤثّرة خارج إطار العائلة.
"توثيقيّة" في صياغتها وكأنها تخاف فقدان لحظات حياتها (وهي التي انتقلت لاحقاَ للعيش في فرنسا، مثلها ساترابي!) لا تترك جانبا أياَ من تفاصيل شخصيّاتها، شكلاَ ومضموناَ. "أنهلا" الخادمة-المربّية منذ جيلين لعائلة فرح (المهندس رمزي وزوجته الحامل اللذان ينتظران تأشيرة السفر إلى كندا)، تلهي الأولاد في صناعة حلو "الصفوف"، و"شكري" إبن ناطورة البناية الذي اختطف والده سائق الأجرة في "الغربية"، والذي توحي ذكوريّته بالطمأنينة، و"أرنست شلّيطا" أستاذ اللغة الفرنسيّة في ثانوية شارع بيضون الذي قُتل أخوه التوأم برصاص قنّاص وبقيت جثّته ممدّدة أرضاً إلى أن تمكّن شكري من سحبها تحت جنح الظلام. أرنست الأنيق لا يغادر الطابق الثالث إلا إذا انقطعت الكهرباء وبعد أن يلبس هدومه وكأنه خارج في موعد غرامي، ولديه دائماَ ما يرويه للأولاد من ثقافته الأدبيّة الفرنسيّة. يجتمع إليهم تباعاً "مسيو خالد" الذي كان قبل الحرب صاحب مربع ليلي لم يبقَ منه سوى صناديق المشروب الفاخر التي يستفيد منها سكان البناية وقت الشدّة، ترافقه زوجته "مسّ ليندا" التي وصلت لتكون ملكة جمال في الستّينات.
 توثيقية هي أيضاَ في سرد تفاصيل اللحظات وأصواتها: أنقطاع الهاتف، "فلاشات" الأخبار المتتالية، صوت مولّد الكهرباء، "غالونات" الماء الأحتياط (للشرب أو قضاء الحاجة)، لوكس الغاز للإنارة، أوقات شرب القهوة، تعداد القذائف والتباري في معرفة نوعها وأمكنة إنطلاقها وسقوطها. لحظات أخرى سرداً للذكريات والمناسبات السعيدة لتنسي الجميع خطر الموت الداهم، تليها لحظات الخوف والأنفعال مع أصوات القصف المتصاعد وغياب الحديث وسيطرة الصمت لتذكير القارئ بمأساة الواقع.
في الرسم، تختلف زينة أبي راشد عن زميلتها الأيرانيّة. ولا يبقى من المقارنة إلا الأسود والأبيض قاعدة لونيّة. وإذا كانت ساترابي تتبنّى رسماً يذكّر بأساليب الأطفال التي تختلف بين صفحة وأخرى أو فصل وآخر لكنها مفعمة بالحيويّة، فإن أبي راشد تذهب الى النقيض الآخر حيث الرسم أقرب إلى الأيقونة في جموده وغياب الحركة والبعد الثالث عنه كلّياً. هذه المفارقة بين سرد واقع غارق في التفاصيل الصغيرة والتعبير عنه رسماً بأسلوب يصوّر مصطلح الوجوه وليس واقعيّتها وأسلبة الأشياء والأدوات كما في المنمنمات الإسلامية، ربّما تعود إلى براعة المؤلّفة التخطيطيّة والغرافيكيّة أكثر منها الى مهارة الرسم التصويري الغائب عن جميع منشوراتها المتلاحقة. وكأنها تستعير من السجّادة المعلّقة في مدخل المنزل أسلوباً تستعيره لتعبيرها البصري. وجوه شخصياتها لا تتغيّر على مدار القصّة، خطوطها وكأنها مرسومة بالمسطرة، نظيفة، لا حيويّة فيها، تشهد على زمن معلّق. نظافة إستفزازيّة حتّى في تفاصيل الشارع الذي يُفترض أنه يعايش القذائف ورصاص القنّاصين وتوقّف خدمة جمع النفايات. قد يكون هذا ما أرادت أبي راشد أن تحفظه عن طفولتها في الحرب، فجاءت ذاكرتها البصريّة إنتقائيّة، تجميليّة وزخرفيّة.
واضحٌ أيضاً إستغلال أبي راشد مهاراتها الغرافيكيّة إلى حدودها القصوى. فهي لا تتردّد في إعطاء الأولويّة بصريّاً لتأليف الصفحة على تفاصيل الرسم ولا تتوانى عن استخدام تقنيّة التكرار الرقمي (Copy-Paste) في رسومها وخصوصاً في شخصيّاتها التي ترسمها دائماً من الأمام أيّاً تكن وضعيّتها فلا تستدير إلى جنب أو إلى فوق أو إلى تحت. وإذا أرادت تصوير زحمة سير ترسم سيارة وتكرّرها نفسها من دون إعتبار لأي منظور (Perspective) وكأنها قطع لعبة "ليغو" للصغار القائمة على البناء عن طريق التكرار. وهكذا تضعنا أمام تصميم غرافيكي وليس صفحة مرسومة. وهنا جوهر فرادة أسلوبها عن زملائها من المدرسة نفسها (وربّما تساؤل البعض عن مهارات الرسم لديها).
هي ذهبت في هذا المنحى (خصوصاً في ألبوم الجيب الأخير الذي أصدرته بعنوان "أتذكّر") إلى حدّ إحتراف هذه الطريقة نمطاً يُعرّفُ عنها. مثل حين تتحدّثت عن التنقّل الدائم لعائلتها بين أماكن مختلفة اقتضتها الأوضاع الأمنيّة المتلاحقة مع العودة دائماً إلى نقطة الأنطلاق (البيت-الأساس)، فصوّرت أفراد العائلة كأحجار لعبة "الحيّة والسلّم" وأماكن التنقّل خانات اللعبة. وأعتقد أن قدرة زينة أبي راشر الأبداعيّة تتجلّى حين تلجأ إلى هذه الأستعارات التي تستمدّها من ألعاب طفولتها حين كانت تضطر وأخوها إلى ملازمة المنزل، أو من القصص التي كانت تروى لها وهي المحاطة دوماً بالأدب و الموسيقى. وأعتقد أن زينة أبي راشد عاشت طفولة "سعيدة" مليئة بالمغامرات واللحظات الجميلة عند خطوط التماس.
 يبقى غريباً الشعور الذي ينتاب قارئاً مثلي عاش في "الجانب الآخر" من خطوط التماس فترة الحرب وإلى أي مدى كان تشابُه الواقع والحالات وردّات الفعل والمآسي التي لا تخلو في بعض الأحيان من الطرافة. وكأن زينة أبي راشد أرادت أن تكتب وحدة حال، لتبني عليها ذاكرة جماعية مليئة بمصطلحات وتفاصيل عيش وتقنيات حياة يوميّة جمعت بين الناس أيّام حرب مضت فيما تختلف جذريّاً في زمن السلم اليوم. هل الحرب هي التي توحّد في كل مرّة بين "الشعوب اللبنانيّة" في تفاصيل حياتها اليوميّة، ليعودوا فيتفرّقوا جماعات لديها إجتماعيّاتها وعاداتها ومعتقداتها المختلفة في حال السلم؟ سؤال يطرح نفسه في كلّ مرّة أقرأ أو أشاهد أو أسمع عن الحرب اللبنانيّة وفصولها.
وها هي زينة أبي راشد تثيره من جديد...
ولا جواب...


جورج خوري (جــاد)