Friday, March 22, 2019


أدب، فكر، فن
من جبال سنجار مروراً بالرقّة والصحراء الليبيّة إلى الغرق في النسيان
"ترانزيت" شرائط مصوّرة عن مأساة التهجير القسري وطلب اللجوء
جورج خوري (جاد) 22 آذار 2019 | 00:03

ملصق المعرض.

يلاحظ الداخل إلى معرض "ترانزيت" عن التهجير القسري وطلب اللجوء في "بيت بيروت"، أن اختيار المكان بما يفترض أن يحمله من معانٍ لذاكرة حرب مضت بمآسيها وعنفها المحفورين في المبنى، أضاف إلى مضمون الشرائط المصوّرة إحساساً بالرهبة والتأمّل. بيروت التي عاشت أهوال حرب أهليّة تعرض رسوماً وقصصاً حيّة في غالبها لناس ليسوا منها ويشبهون ساكنيها أجبرهم العنف غير المسبوق حجماً على النزوح من أراضيهم. قصص حيّة لمئات الألوف من البشر، من أعالي جبال سنجار في العراق مروراً بالمدن السوريّة المدمّرة وصولا إلى الصحراء الليبيّة ومنها إما غرقاً في مياه البحر الأبيض المتوسط وإما التوقف أمام حائط الحضارة الغربيّة التي ترفض استقبالهم.

الحدث من تنظيم مبادرة الجامعة الأميركيّة للشريط المصوّر العربي التي تعنى بتوثيق بحوث وحفظها ونشرها، لها علاقة بهذا الفن الخارج في منطقتنا من قمقم أدب الأطفال. المعرض رافقته ندوة أكاديميّة بعنوان "التهجير القسري وطلب اللجوء في الشريط المصوّر"، أعدّتها الفنّانة والأكاديميّة لينا غيبة، مديرة المبادرة والقيّمة على المعرض في الآن نفسه، بمشاركة باحثين ومتخصّصين محليّين وأجانب يعنون بفن الشريط المصوّر، إضافة إلى فنانين ورسّامين عملوا على الموضوع بينهم أسماء بارزة لفنّانين أوروبيّين وأميركيّين وعرب ومن اللاجئين أنفسهم، اجتمعوا في يوم طويل لعرض بحوثهم أو تجاربهم عن أسباب الهجرة، أخطار الانتقال من بلد المنشأ وأهواله، والصعوبات التي يواجهها هؤلاء في بلد الوصول... إذا وصلوا.

"ترانزيت" التهجير وطلب اللجوء.
غزارة الإنتاج الغربيّة التي بدأت تبرز منذ سنوات خمس وتتناول موضوع التهجير واللجوء، أثارته بالتأكيد المأساة السوريّة التي تجاوزت حدودها إلى العالم وخصوصاً أوروبا. وقد يكون مردّه أيضا إلى أن القارة الأوروبية أرادت تخليد الذكرى المئويّة للحرب العالميّة الأولى، فنشطت مؤسساتها الثقافيّة والفنيّة خصوصاً في مجال الكتاب والشريط المصوّر تحديداً لما يملكه من قدرة الرسم على إعادة الصياغة البصريّة لمرحلة لم تكن التقنيّات البصريّة متطوّرة بما فيها التصوير الفوتوغرافي أو لندرتها بما يمكن العودة إليه من وثائق يُبنى عليها. ومنطقتنا كانت من ساحات النزاع الدمويّة الكبرى التي أودت بالأمبراطورية العثمانيّة ورسمت بالدم والنار والتهجير والمجازر ما نحن عليه اليوم. وكأن دور النشر أيقظت من حيث لا تدري شياطين الماضي الذي لم تندمل جراحه بعد.
موللي كرابابل، الفنّانة الأميركية والناشطة السياسيّة، حضرت ومعها كتابها "أخوة السلاح" الذي وضعته عن مدينة الرقّة السوريّة بالتعاون مع الناشط السوري مروان هشام الذي خاطر بالعيش في "عاصمة الخلافة" تحت حكم "داعش" ناقلاً تفاصيل الحياة اليوميّة وهواجس عيش مواطن في ظلّ إيديولوجيا قائمة على الإلغاء الوحشي للآخر. كذلك رافق الفنان الألماني أوليفييه كوغلر، الذي كان أحد المحاضرين، رسوماته التي وثّقت في كتاب "الهروب من الحروب والأمواج" لحساب منظمة "أطبّاء بلا حدود"، حياة لجوء السوريين في مخيّمات

 
موللي كرابابل والعيش في الرقّة تحت "داعش".

 دوميز شمال العراق وكاليه في فرنسا وكوس في اليونان. عمل توثيقي بالريشة واللون لأدقّ تفاصيل
الحياة اليوميّة، نقلها من خلال لقاءاته التي كنا نتمنى لو أنه ذهب بها إلى أبعد من مجرّد النقل كما فعلت الفنّانة البريطانيّة النسويّة الناشطة كايت إيفنز في كتابها "خيوط" عن اللاجئين في مخيّم كاليه وحملات التبرّع التي قامت بها شخصيّاً لمساعدتهم. إيفنز ذهبت أبعد من التحقيق والتوثيق لإثارة أسئلة وجوديّة حول الهويّة ومدى التحدّي الذي يواجه الفكر الليبيرالي الأوروبي أمام أزمة حضاريّة وأخلاقيّة لم يواجه مثلها منذ الحرب العالميّة الثانية. جو ساكو الرائد في مجال التوثيق والشريط المصوّر السياسي، كانت رسوماته عن فلسطين أيضا معلّقة، وإن اعتذر عن عدم الحضور.


                     




أوليفييه كوغلر وتوثيق اللجوء.                                                                                         "زنوبيا" لحظات اللجوء الأخير.

خارج السياق التوثيقي للمأساة، يتساءل الفنان الدانماركي لارس هورنمن في "زنوبيا" عمّا يمكن أن يجول في ذهن الفتاة الصغيرة أمينة، في لحظات غرقها بعد انكسار الزورق الذي كان ينقلها إلى الضفة الأخرى من المتوسّط. القصّة تبدأ من لحظة الغرق وتنتهي بالغياب في أعماق البحر وبينها ومضات من حياتها القصيرة وخصوصاً قصّة زنوبيا التي كانت أمّها تحكيها لها قبل النوم والتي انتظرتها لتنقذها لكنها لم تأتِ. كتاب شاعري قوي يتميّز بقوّة بساطة الرسم واللون، وغياب الثرثرة والوصف والحوارات. صفحات تأخذنا إلى اللحظات الأخيرة لفتاة صغيرة من سوريا تنتهي في عالم الصمت والنسيان في أعماق البحر.
المشاركة العربيّة واللبنانيّة كانت حاضرة بدورها وإن بخجل. وهو سؤال يطرحه المعرض وإن غير مباشرة عن أسباب قلّة الإنتاج من بلادنا لمأساة هي في الأصل عنهم وتعنيهم. من لبنان "بكرا إنشاالله" وشهادات لاجئين سوريين ورسومات للينا مرهج وكمال حكيم ونور حيفاوي والفنانة السوريّة ديالا برصلي اللاجئة بدورها في فرنسا اليوم. الكتاب عودة إلى توثيق العيش في مخيّمات اللجوء ومراكزه المنتشرة عشوائيّا في بلدنا والمعاناة المرافقة. هذا الإصرار على التوثيق يبدو كأنه مطلوب من الناشرين وهم في غالبهم منظمات غير حكوميّة تسعى ضمن مهامها إلى التوعية، محدّدة بذلك الخيارات أمام الفنّانين في تناول الموضوع خارج إطار ما أصبح اليوم صنفاً قائماً بذاته يعرف بـ"الشريط المصوّر التوثيقي" (BD Reportage). رسومات أيضاً لزينة أبي راشد من "أتذكّر بيروت" وهجرتها القسريّة إلى باريس هرباً من الحرب، فيما كان أجدى لو تضمّن المعرض رسومات من كتابها الأخير "لجوء" الذي ساهمت في رسمه والذي يتناول تحديداً موضوع العلاقات الحميمة التي تغلبها الأعراف الاجتماعية والفروقات الثقافيّة. في الأولى علاقة حبّ بين امرأتين في أفغانستان البوذية عشيّة الحرب الثانية، وفي الأخرى لقاء حبّ لا يكتمل بين لاجئة سوريّة من حلب وشاب ألماني في برلين اليوم.
الثنائي التوأم هيثم ومحمد السحت، "توينز كارتوون"، من مصر، قارب موضوع التهجير القسري من زاوية مختلفة لقصّة شعبيّة "هدهد الغصن" على خلفيّة تهجير سكان النوبة في مصر من قراهم من أجل بناء السدّ العالي الذي اعتبر من أهمّ إنجازات المرحلة الناصريّة وتفوّق الفكر القومي العربي. موضوع حسّاس كان من الممنوع تناوله من هذه الزاوية في وسائل الإعلام أو الكتابات في مصر حتى اليوم. كذلك انفرد رسّامو محترف "مخبر 619" التونسي بمقاربة موضوع اللجوء من زاوية سردية شخصيّة أقرب إلى المحاكاة الشعرية منها إلى التوثيق، باستثناء الفنان اللبناني برّاق ريما الذي فاجأنا باقتصار مشاركته على عرض مملّ لإحصائيّات وأرقام ومعاهدات تعنى بالهجرة يمكن أن نجدها في أي موقع للاجئين تابع للأمم المتّحدة. بعض رسوم كتاب "الهجرة" ونصوصه ستبقى محفورة في الذاكرة خصوصاّ للثنائي كمال زاكور (الجزائر) وعبير قاسمي (تونس) في "الرحلة الأخيرة"، وهي شاركت الفنان التونسي معزّ طابيّة في "البئر". "هربت من الجحيم" للفنان الجزائري سيد علي دكار، يتميّز أيضاً بقوة الرسوم التعبيريّة والنص الذاتي الذي تقوم عليه مشاركته. 

كمال زاكور وعبير القاسمي، حين تضيع الخطوط في الصحراء.
المعرض واضحٌ توجّهه الأكاديمي في تناول موضوع اللجوء. تثقيفي دون ادّعاء التحليل أو فتح نقاشات في السياسة والعلوم الاجتماعيّة لمواضيع مثل الذاكرة وعدم النسيان وأزمة الهويّة أو الاندماج أو الصدمة الوجوديّة لهؤلاء اللاجئين وقت تهجيرهم إلى وصولهم إلى مجتمعات وبيئات تتناقض وثقافاتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم.
واضح أيضاً تركيز الجزء الأكبر من المعرض على المأساة السوريّة دون سواها على رغم أن موضوع التهجير القسري والمجازر المرافقة أو المسبّبة له، كان من أكثر المواضيع في إنتاجات السنوات الخمس الأخيرة للشريط المصوّر وبينها تلك المتعلّقة ببلادنا. مذابح وتهجير الأرمن "ميدز ييريغ" (2014) "أوراق الورود" (2013) و"الشبح الأرمني" (2015) غائبة، كذلك ما تعرّض له المسيحيّون المشرقيون قبل الحرب الأولى وخلالها وبعدها "أيفالي" (2015)، أو الأقليّات في السودان أو الإيزيديّون "يو أن 3" (2018) أو ما تتعرّض له الأقليات الدينيّة والعرقيّة اليوم في منطقتنا "أقليّات إلى زوال" (2017)، أو تلك التي أجبرت على الرحيل من مصر الناصريّة "الأسكندريّة، لن أنساك" (2018) أو الجزائر بعد الإستقلال "صمت لونس" (2013) و"حفيد الجزائر" (2015)، وغيرها من الشمال الأفريقي. ربّما لأن غالبية هذه الإصدارات كانت باللغة الفرنسيّة ولم تصل إلى العالم الناطق بالإنكليزية الذي تمثّله الجهة القيّمة على المعرض، أو ربّما لأن ثقافتنا القوميّة العربيّة الجامعة لا تزال هي الطاغية على ما عداها من ثقافات لأقليّات تطمح للاعتراف بتمايزها.
شيء واحد أكيد أن المعرض أعاد إلقاء الضوء على أكبر مأساة إنسانيّة في قرننا الحديث بدأ يشوبها النسيان وبتنا نتلقّاها بملل لطغيان الجدال السياسي حولها، وكأن لينا غيبة أرادت التذكير عبر فن الشريط المصوّر، بأن المعني الأول بالمأساة هم ناس لديهم أسماء، ومهجرون من قرى ومدن لها أسماء ويرحّلون قسراً إلى حدود نعرفها بالاسم، فعلّقتهم على جدران "بيت بيروت" وفي المدينة التي من قدرها أن تحفظ عن محيطها الذكرى وألا تنسى.