Friday, May 10, 2019








أدب، فكر، فن









صدمات الحروب الكبرى تطبع ناسها سنوات، سواء الذين عاشوها واستقرّوا، أو الذين مرّوا فيها وهجروها، وفي حالات تنتقل إلى جيل ثانٍ لم يعشها زماناً ومكاناً فيحاول التقاطها. للشريط المصوّر نصيبه من السير الذاتيّة التي غالباً ما تحاول البحث عن تلك المساحة المفقودة والأسئلة التي بقيت من دون جواب وخصوصاً في السنوات القليلة الماضية التي تشهد نموّاً في هذا النوع من الروايات، آخرها ثلاثة ألبومات لروائيين لبنانيين، برنار بولاد (من مواليد 1959) في "حرب الآخرين"، وجوزف صفي الدين (من مواليد 1986) في "مسيو كوكو"، وقبله "يلّا باي" عن حرب 2006. الروايات الثلاث باللغة الفرنسيّة وصدرت عن دور نشر فرنسيّة.
"حرب الآخرين: شائعات فوق بيروت" لبرنار بولاد الكاتب والناشط في مجال السينما، يغامر في تجربته الأولى في الشريط المصوّر فيستعيد من الذاكرة عشيّة وبداية الحرب التي مرّ بها من دون أن تبقيه، هو المنتمي إلى عائلة اعتادت الرحيل: من بلاد الشام هرباً من المجازر الطائفيّة في 1860 إلى الإسكندرية حيث وُلد، ومنها زمن الصعود القومي الناصري بعد أزمة قناة السويس "ورحيل أصدقائنا من اليهود والمسيحيين والشيوعيين والليبيراليين" بحسب الوالدة، إلى "بيروت الدولتشي فيتا" كما يصفها في الرواية. عاش عصرها الذهبي مراهقاً ليعاود الرحيل مع العائلة بداية الحرب إلى فرنسا فكندا ليستقرّ في النهاية في العاصمة الفرنسيّة. الكتاب سيرة منتقاة لعائلة نجّار في فصلها اللبناني (الأسماء هنا كلّها مستعارة) تستند إلى ذاكرة الكاتب الذي يقرّ بأنها، وإن تضمّنت بعض التخيّلات، قائمة على وقائع حقيقيّة. عائلة يؤكّد بولاد في أكثر من محطّة علمانيّتها وسخريّتها من التديّن منذ الصفحة الأولى التي يتقابل فيها إدوار الأب صاحب مكتبة "بابيروس" في شارع الحمراء وصلاح مساعده الذي يتعبه صيام شهر رمضان. أجواؤه وأصدقاؤه من الأوروبيين واللبنانيين الفرنكوفونيين، يرفض العنف (اقتناء السلاح للدفاع عن العائلة) ويهاب العسكر (حين يدعى ابنه الأكبر إلى التجنيد). عائلة منفتحة على الثقافة مغرمة بفنون المسرح والسينما والموسيقى. ليبيراليّة يراها الكاتب في مغامرات والده النسائيّة وزبائنه من المثليين يستورد لهم كتب الجنس الممنوعة والمجلات الفرنسيّة المثيرة للجدل، كذلك في الأم عاشقة المسرح والمرتبطة بعلاقة غراميّة مستحيلة مع صديق العائلة المثليّ الذي يقع في حبّ تلميذ إيراني يغرم بدوره بابنة العائلة!  قصّة مركّبة أنقذها بولاد من الوقوع فيما نعرفه عن مسلسلاتنا الدراميّة التلفزيونيّة المبتذلة بتركيزه على البعد السياسي والاجتماعي الذي طبع مرحلة ما قبل الحرب لتلك الفئة من اللبنانيين.
 برنار بولاد متمكّن من السرد الدرامي ويدير بامتياز السرد البصري للرسّامين بول بونا وغاييل هنري، تساعده تجربته الطويلة في عالم السينما من حيث حركة الكاميرا وتقطيع الكادرات وإدارة الشخصيّات. حاضرة أيضاً في مفاصل الرواية، ما مكّنه من التقاط اللحظات الحميمة أو المواقف الساخرة ومحاولة رسم المشهد الذي كان سائداً عشيّة الحرب من نشاط ثقافي طليعي من دون أن ينسى في الوقت نفسه تأثير بروس لي الموازي. دقيق في نقل ما حفظته ذاكرته الشابة (في النص وليس في الرسم بالضرورة) من مصطلحات تلك الفترة التي اختزل أزمتها بالصراع مع الفلسطينيين وغدت أقرب إلى كليشيهات متناقضة مثل "الدولة داخل الدولة" وفي الوقت نفسه تأييده لقضيّتهم، أو رفض السلاح الفردي "طلباً للحماية في الزمن المضطرب" واللجوء إلى الجار المقاتل للحماية، أو بعض المشاهد الواعظة لدى استدعاء الابن الأكبر إلى الخدمة العسكريّة في الجنوب عن أصول بلاد الشام وضرورة مواجهة إسرائيل وفي الوقت نفسه التذمّر من تجاوزات الفلسطينيين وعدم تحرّك الجيش لوقفهم. كأن الكاتب أراد أن تتضمّن روايته كل الأحداث المفصليّة والمواقف المتضاربة التي أدّت إلى حربنا الأهليّة - وإن اقتصرت على المشكلة الفلسطينيّة - بدءاً باغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة في فردان وصولا إلى خطاب ياسر عرفات الشهير في الأمم المتّحدة محاولاً أن يقف على مسافة واحدة من الأطراف المتقاتلين بحجّة موضوعيّة جاءت في بعض الأحيان مفتعلة، محمّلاً "الآخرين" أسباب اندلاعها، ومن هنا عنوان روايته التي أرادها تحيّة لمدينة احتضنته وكوّنت شخصيّته ولا يزال يتذكّر منها لحظات مؤثّرة طبعته.
الهويّة المستعادة
جوزف صفي الدين، الروائي الشاب الفرنسي اللبناني الأصل، يذهب في منحى آخر في مقاربة الحرب التي يسعى لالتقاطها (وهويّته المركّبة ربّما) من طريق شخصيّة الأب الذي يرافقه في رواياته. "موسيو كوكو" جديده بعد "يلّا باي" و"أضواء صور"، والكتب الثلاثة عن لبنان أو حوله. رواية شفّافة ومثيرة عن رجل من الجنوب هاجر إلى باريس بعد اغتيال والده ونبذه الأقارب (خصوصاً الوالدة) لرفضه الأخذ بالثأر كما تفرض التقاليد. قطيعة جعلته يقرّر تغيير اسمه والاندماج كليّاً في مجتمعه الجديد رافضاً محاولات الاتصال به مجدّداً من أخوته الذين بحاجة إليه لتسوية أزمة العائلة الماديّة من الإرث. وحدها والدة زوجته التي احتضنته منذ لجوئه، تقنعه وهي على فراش المرض بالعودة إلى بلاده ليحضر لها دواءً من الأعشاب قيل لها إنه يشفي من مرضها القاتل. منذ البداية يدخلنا صفي الدين في تناقضات الشخصيّات بين بعضها البعض وداخل كل منها والضغوط النفسيّة على الشخص المحوري في الرواية الذي يعيش صراعاً بين هويّته المتبنّاة والأخرى الأصليّة التي يرفضها. رفض يعبّر عنه بعدم رسم الوالدة في صفحات الكتاب حتى لدى اللقاء بها، أو التحدّث بالفرنسيّة لحظة وصوله إلى المطار، وتردّده في زيارة قبر والده إلاّ بعد إبلاغه بوفاة الحماة الفرنسيّة وهو بعيد عنها، هي التي كانت بمثابة والدته، فيطلب أن يُترك وحيداً ليتلو لها عبر الهاتف وهي متوفاة (ولوالده المتوفّي ربّما) الآيات القرآنيّة المكتوبة بالعربيّة في الرواية كأنها لحظة التصالح مع الذات بعد الخسائر الكبرى.
صفي الدين بارع في كتابة السيناريو وبناء الشخصيّات أكثر ممن سبقوه من عندنا وفي اختيار العناوين، يعرف كيف يبدأ القصّة وينهيها فكرة ورسماً. حبكته الدراميّة تعطيها رسوم الفنّان الكوري الجنوبي كيونغن بارك صدقيّة وواقعيّة مميّزة، هو الذي رافقه في كتابيه الأخيرين وكان زار لبنان مرّة أولى بعد حرب تمّوز 2006 لتوثيق تفاصيل مدينة صور وسكّانها وحياتهم اليوميّة لكتاب "يلّا باي". تفاصيل بصريّة دقيقة وواقعيّة أرادها المؤلف تأكيدا للمكان والزمان ربّما ليحفظها في ذاكرته أيضاً، هو الذي لم يولد فيها ويؤكّد في كل لقاءاته الصحافيّة أصوله اللبنانيّة التي يحاول اكتشافها واستعادتها وهو شاب، بعد طفولة عاشها في قطيعة عنها.
في "يلّا باي" الذي سبقه بسنتين، يروي صفي الدين تجربة العائلة الشخصيّة التي حضرت إلى لبنان فيما بقي هو في فرنسا أياماً قبل عدوان تمّوز 2006 وكيفيّة احتجازهم في مدينة صور تحت القصف والحصار إلى أن يتمّ ترحيلهم بقوارب فرنسيّة. لحظة أخذ منها عنوان الكتاب، العبارة الوحيدة التي قالها الجدّ لابنه في وداعه على رصيف المرفأ. تجربة مريرة حاول فيها توثيق الحالات التي عاشها ناس الحصار باللامبالاة، بداية من إمكان توسّع الحرب إلى اللجوء إلى "حارة المسيحيين" فالكنيسة اعتقاداً بتفادي الضربات الإسرائيليّة وإن كان من الضحايا والدا صديق العائلة المسيحي. حال القلق القصوى التي عاشها عن بعد مثبّتاً أمام شاشة التلفزيون في باريس بعد انقطاع الاتصال بعائلته بسبب انقطاع الكهرباء ووسائل التواصل. لحظات حقيقيّة عن كيفيّة تطوّر المشاعر من حال النكران فالسيطرة إلى الهلع خصوصاً الوالدة الفرنسيّة التي أحسّت منذ البداية بفداحة الخطر الآتي ربّما بسبب عقلانيتها في مواجهة عدم تقدير للوضع من الوالد "نحن نعرف وعندنا تجربة فلا تقلقي"، تجربة شعبيّة قائمة على التمنّي وغالباً ما تخطئ. لحظات تقاطعها ومضات عن حياة والده شاباً مقاتلاً يدافع عن الفلسطينيين. التزام دفع ثمنه مغادرة البلاد واللجوء إلى باريس وتبنّي عائلة فرنسية له، يعيدنا إليها لاحقاً في خلفيّة رواية "مسيو كوكو".
إذا كان "يلّا باي" متماسكاً في سرده وحبكته الروائيّة فإن رسوم بارك تأسرنا بدقّتها وجماليّتها، من ملامح الناس الذين قد نصادفهم في حياتنا اليوميّة وفي الطرق والمقاهي المكتظة إلى اللباس وهندسة الأبنية وحال ممرّات الزواريب الضيّقة حيث يمكن التعرّف إلى كلّ منها سواء من ملصقاتها أو أسماء دكاكينها، كذلك إبراز تفاصيل الاختلاف بين الطوائف مثل ملصقات السيد حسن نصرالله والإمام موسى الصدر في أزقّة إحداها في مقابل تمثال السيّدة العذراء وشرب الكحول عند أخرى وصور القديس شربل داخل منازلها. يصوّر السوق وناسه بكل تفاصيله من بائع العربة في الشارع إلى الإسكافي في حانوته الصغير واللحام وبائع خبز الصاج أو الأفلام المقرصنة والعطورات المقلّدة وسمك السردين فالكورنيش المتنفّس الوحيد لضيق المدينة وملصقات الشهداء التي تغطي الطرق العامة إلى الذروة في مشهد الانفجار الذي وقع في الطريق المؤدّي إلى حارة المسيحيين لحظة اللجوء إلى المكان وكاد يقضي على العائلة. جميلة ومعبّرة رسوم بارك وألوانه الترابيّة التي يقول إنه ألفها حتى قبل مجيئه من خلال نشرات الأخبار التي كانت تنقل باستمرار تحقيقات عن مواطنيه ضمن قوات "اليونيفيل" التابعة للأمم المتحدة.
شرائط مصوّرة من عندنا تبحث عن هويّاتنا وتناقضاتنا في صفحات حروبنا، تقول حبّ الحياة زمن الموت في بلاد مرّ بها الأول فيما يعود إليها الثاني ليرويا لحظات وسير ناسنا والأمل الجميل الذي اجتمعا على إشاعته.

برنار بولاد وجوزف صفي الدين من عندنا ولنا لنقرأ ونتأمّل.