Tuesday, June 18, 2019

"أنطوان" إسدالٌ للستارة و"سياسة" إعلانٌ للفراق مازن كرباج في شرائط مصوّرة تتّهمنا في أحوالنا


أدب، فكر، فن
"أنطوان" إسدالٌ للستارة و"سياسة" إعلانٌ للفراق
مازن كرباج في شرائط مصوّرة تتّهمنا في أحوالنا
جورج خوري (جاد) 19 حزيران 2019 | 05:45

الإحاطة بفن مازن كرباج تقارب الإعجاز. هو رسّام الشريط المصوّر المختلف، والموسيقي والعازف المغاير، والمصمّم الغرافيكي خارج التقاليد والإنسان الذي لا يشبه إلاّ ذاته. غزير الإنتاج، كثير الكلام والمواقف، ساخر من كل شيء وكل أحد، وإذا افتقر إلى موضوع للتهكّم انتقد نفسه. يعشق الحريّة، تستفزّه السذاجة والقوالب الجاهزة، ومستعدّ دائماً للتجريب والخطأ والتكرار والإعادة. يستهويه تحدّي الآخر وتحدّي الذات وكسر الحدود، حدود الفكر والفن والعيش، كأنه في سباق دائم مع نفسه مذ قرّر قبل عقدين أن يتمرّد فوق أوراق تناثرت ولم تزل في بيروت وباريس وبرلين رسوماً ونوتات موسيقيّة قد لا يدركها في بعض الأحيان سوى هو.

 

Text Box: يضع مازن كرباج كل ما في جعبته من مواقف وانتقادات لاذعة لحالنا وحال العرب في سخرية سوداء لا تعرف حدوداً
منذ البداية، وفي صفحته الأولى من كتابه الأول، "يوميّات" (1999) الذي طبعه على نفقته، حدّد موقفه الفنّي: "نظرة الناس إلى لوحتي ليست مشكلتي وإنما مشكلتهم هم. لا أرسم للآخرين، لوحتي أصنعها لنفسي"، مقتبساً عن فرنسيس بايكون ملهمه التشكيلي الأول، كما "معلّمه" الأول دانيال غوسنز رسام الشريط المصوّر الذي أخذ عنه مقاربته المستفزّة مضموناً وليس شكلاً، فهو صنيع نفسه. تعجّ مخيّلته بالأفكار التي تريد الانعتاق، فيلجأ أحياناً بالرسم السريع بيديه الاثنتين استعراضاً بات ملازماً لظهوره أمام الجمهور، ولو قُدّرت له يد ثالثة لاستخدمها، لذا لم يتردّد في رسم رباعي الأيدي مع الفنانة لور غريّب في أغرب وأجمل علاقة فنيّة وإنسانيّة جمعت أماً بولدها.
تستهويه السياسة دون رغبة في احترافها أو متابعتها. في "سياسة"، كتابه الصادر قبل أيام عن دار "أكت سود Actes Sud"، و"أنطوان" قبله بأشهر عن "منشورات السمندل" (كلاهما بالفرنسيّة) يضع مازن كرباج كل ما في جعبته من مواقف وانتقادات لاذعة لحالنا وحال العرب في سخرية سوداء لا تعرف حدوداً. موضوعان يهوى التوقّف عندهما والعودة إليهما منذ رسومه الأولى من موقع المراقب الساخر لخطاباتنا البليدة ومواقفنا العنصريّة والصورة النمطيّة للآخر واحترافنا توهّم هزائمنا انتصارات، ولاعقلانيّة مقاربتنا لواقع العالم المتقدّم الذي بات مختلفاً وبعيداً عنّا.
كتابه الأخير تجميع لشرائط مصوّرة قصيرة سبق أن نشرها في صفحات مواقعه الرقميّة أو مدوّناته أو في جريدة "الأخبار" (الوحيدة بالعربيّة) بين عامي 2005 و2018، مع فارق أنه أعاد رسمها كلّها وفي أحيان أخرجها بإطار جديد وبسياق كلامي مختلف، ربّماً لأنه يتوجّه هذه المرّة إلى جمهور فرنسي أوسع من جمهوره اللبناني الفرنكفوني. هكذا ترجم واستعاد شرائط "هذه القصّة تجري" وحوّلها إلى صفحات، مختاراً بينها (لكثرتها) مواضيع اعتقد أنها لا تزال صالحة في وقتنا الحالي.
جريء مازن كرباج، ولا يضع قناعاً. يستفزّ برسومه ومواقفه دون الوقوع في الابتذال أو الافتعال أو السوقيّة سعياً لإثارة الجمهور أو حب الظهور كما أعتدنا في مقاربات غربيّة مثل "شارلي إيبدو" أو الأندرغراوند الأميركي، ربّما لأن تمرّده ليس عبثيّاً وإنما هو مسار يبحث في الطبيعة الإنسانية ويتمسّك بمبادئ لا يزال يرفض التنازل عنها أو عن مساحة الحريّة التي رسمها لنفسه شكلاً ومضموناً. يتجرّأ على رجال الدولة والدين، على رجال السلطة من العسكريين أو السياسيين، على المثقفين والإرهابيين، على المقاومة وإسرائيل، على نساء المجتمع المخملي والرجال من الأثرياء الجدد، على طائفيّتنا وعنصريّتنا وعلمانيّتنا في آن واحد. يقف دائماً إلى جانب المقهور والمقموع إلى درجة الشهادة، سواء في بيروت مع "مغامرات سمير قصير" أو في "يوميّات حرب أهليّة صغيرة" عن بيروت أيار 2008، أو الحرب السوريّة والمأساة الإنسانية في غزّة.
كثير الكلام وكأنه قلق من ألاّ تصل رسالته واضحة للمتلقّي، سواء في المونولوغ أو الحوارات بين الشخصيّات التي تتكرّر داخل كادرات كاميرا جامدة. فلغته البصريّة بعيدة عن التقنيّات السينمائيّة للحركة وتتجاوز الواقعيّة إلى تعبيريّة "تكعيبيّة" تميّز أسلوب رسمه، وخطوط يدويّة يصرّ على التمسّك بها مع خلفيّة واضحة في فن الغرافيك الذي درسه وأبدع فيه بامتياز.
"سياسة" أرهقته ربّما، فآثر التحرّر منها عبر نوتة حزينة أرسلها إلينا من فصله الأخير "بيروت في برلين، مقتطفات من انتقال نهائي"، وفيه سلسلة شرائط مصوّرة قصيرة عن تأقلم العائلة في العاصمة الألمانية والانقطاع التدريجي عما يحصل في بيروت التي تنتهي بإعلان الغربة والتوقف عن تناول أحوال البلد وناسه، فـ"بيروت في بيروت، وبرلين في برلين". وهنا جرأة وصدق في إعلان ما لم يقدم عليه مثقفونا من الذين اختاروا المهجر وتحديداً برلين مقرّ إقامة نهائياً. موقف يحاكي إحباطاً كان ألمح إليه حين أسدل الستارة في الصفحة الأخيرة من كتابه الروائي الذي سبقه.
"أنطوان – الفصل الأول: المصير العربي"، عنوان عريض أراده المؤلّف تحيّة لوالده أنطوان كرباج الممثل المخضرم الذي ارتبط في ذاكرتنا الجماعيّة بالزمن الجميل من تاريخنا. كتاب يقتبس بحريّة مطلقة نصّاً مسرحيّاً للشاعر والكاتب الراحل محمد الماغوط اكتشف مخطوطه بين أوراق والده المعتزل ("المرسيلياز العربي" أخرجها يعقوب الشدراوي عشيّة حربنا الأهليّة). هو المحاولة الأولى في تناول الرواية المصوّرة الطويلة بعد سنوات من القصص القصيرة التي احترفها وصنع لنفسه عبرها مكانة محليّة وعالميّة. الغلاف الخارجي يختصر المضمون: أنطوان يقف عاري الصدر إلاّ من ربطة عنق يلبس سروالا داخليّاً ويدخّن سيجارة قرب حقيبة سفر أمام حائط مهترئ عليه ملصقات لجمال عبد الناصر وشعارات من حقبة الستينات لا تزال تستخدم إلى يومنا، "لا للإمبريالية" و"بترول العرب للعرب" واختيار له معناه لشخصيّة حنظلة للفنان ناجي العلي الذي اغتيل في لندن قبل ثلاثين عاماً. شعارات بتنا نحترفها ونردّدها كأن الزمن توقّف عندنا حيث "كلّنا للمعركة" و"النصر لنا". شعارات زمن معلّق تعلن انطلاق القصّة وهروب أنطوان منها وصولاً إلى مدخل لعالم آخر ليله مضيء بحداثة يسعى إليها قبل أن يصرخ به صوت عالٍ يأمره بالتوقّف ويغلق الباب أمامه ويمنعه من الرحيل.
هو القدر العربي يرسمه عملاقاً من دون تعابير وجه سوى العيون المغمضة والشنبات المفتولة، وعكازتين خشبيّتين بدل الساقين وسبحة وثياب رثّة أرادها لبلطجي الحارة الذي تخطّاه الزمن ويذكّرنا بـ"أبو عنتر" القبضاي في مسلسلات دريد لحام. موقف سوريالي وحوار أقرب إلى مونولوغ يتدفّق فيه الكلام عن إحباط أنطوان إزاء واقع عربي متخلّف ومزر لا يتوقّف لحظة عن وصفه على مدى الصفحات الثلاثين التي تؤلّف الكتاب الذي جاء أشبه بمانيفستو الرفض والغضب. غاب التكرار في الرسم و"التكعيب" والجمود في رسم الشخصيّات التي طبعت أسلوبه وتركها ليستعيض عنها برسم شخصيّة تتحرّك وتظهر كاملة للمرّة الأولى ترافقها عين كاميرا من منظور متنوّع. غياب الخلفيات في شرائطه السابقة أفسح في المجال هنا للتركيز على تفاصيل بصريّة لملصقات ورموز وغرافيتي أضافت بعداً آخر أنقذنا من الوقوع في الملل والجمود، موزّعة في تأليف للصفحات يؤكد من جديد مهارته وذكاءه في التعامل مع نص مسرحي بعين مخرج ليكسب رهان مغامرته.
"أنطوان" مازن كرباج رفع تحدّي تناول الرواية المصوّرة. تحدّ أراده لنفسه قبل جمهوره، ما شكّل لديه دائماً الدافع الأول والأثارة الأولى لكل عمل يقوم به، ومرّة أخرى يكسب الرهان ويفتح لنفسه أفقاً جديداً في تجربته الفنيّة التي لا يعرف هو نفسه حدودها أو مآلها.
"أنطوان" أسدل الستارة، و"سياسة" إعلان للفراق، لكننا ننتظر أن يفاجئنا مازن كرباج كما اعتاد أن يفعل دائماً فيعود إلينا ساخراً لاذعاُ، سمكة تسبح في مياهها. سمكة أعتدناها تسبح عكس التيّار.
مازن كرباج كم نحتاجك خارج الإحباط.