Friday, September 30, 1994

I confess.... آن الأوان


آن الأوان

آن الأوان لنعترف أننا تخلّفنا
تخلّفنا عن الفهم والإدراك لفرطِ ما تقوقعنا
تخلّفنا عن فهم القضايا التي رافقتنا قبل الحرب وخلالها حنّطناها، وقدّسناها وحرّمنا المساس بها، فإذا بها زمن السلم ترحَلُ عنّا لتبحث عن حلول لها لم نستطع تقديمها
حرّيتنا طقوسيّة، كادّعاء كاهن الهيكل بامتلاك الحقيقة على عباده حرّية المميّز بين متساوين، حريّة الأوّل بين متساوين، حريّة من»خلقه الله وكسر القالب«فتخلّفنا عن فهمها كما يفهمها العالم اليوم معنىً آخر لا نُدركه
ديموقراطيتنا طقوسيّة، كديموقراطيّة الآلهة الأسطوريين ديموقراطيّة اقتسامُ الحصص بين الآلهة ديموقراطيّة تفوّق دين على آخر، وطائفة على أُخرى، وعشيرة على أخرى فتخلّفنا  عن استيعابها كما يستوعبها العالم اليوم مفهوماً نجهلُه
حقوقنا المدنيّة طقوسيّة، نواميس أهل الهيكل نوقدُ الأحياء لبقائهاحقوق شرعة المذاهب وشيوخ القبائل والمناطق فتخلّفنا عن المطالبة بها كما يسعى العالم اليوم سعياً يُريبنا معناه
ثقافتنا طقوسيّة، معتقدات مُنزَلة لا تقبلُ الجدل تحت طائلة التكفيررموزها أصنام نعبدُها وإلاّولائمَ وأوسمة تُكرّمُ »الأول« بين المتساويينفتخلّفنا عن إدراكها كما يُدركها العالم اليوم معنىً آخر نعجزُ عن فهمه
آن الأوان لنعترفَ أننا تخلّفنا
تخلّفنا عن استيعاب السلام في وقت أمعنّا في فهم قوانين الحروب
تخلّفنا عن إدراك معنى المدينة، ومعنى الشارع، ومعنى الإشارة، ومعنى الإتّصال تخلّفنا عن إدراك مفهوم المواطن، والعائلة، والمجتمع
تخلّفنا عن فهم التغيير في العالم، الذي حصل فيما كنّا منهمكين في تصفية الحسابات بين الآلهة تخلّفنا عن فهم التغيير، في عالم السياسة والتاريخ والجغرافيا واللغة والاقتصاد ووسائل الإتصالمفهومنا السياسي مُحنّط، مفهومنا الجغرافي مُحنّط، مفهومنا للتاريخ مُحنّط، مفهومنا للغة مُحنّط، مفهومنا للاقتصاد مُحنّط، ومفهومنا لوسائل الإتصال مُحنّط
بتنا نتّقنُ فنّ التحنيط
 تحنيط مدينتنا التي نريدها كما كانت قبل الحرب وما كانت عليه أوصلنا إلى الحرب نأسفُ لأن حُكّامنا ليسوا من طراز من سبقهُم قبل الحرب وما كان عليه هؤلاء أوصلنا إلى الحرب نُريدُ نظامنا »توزيعاً عادلاً« للحصص ومفهوم الحصص هو الذي أوصلنا إلى الحرب نُريد لشعاراتنا، وإيديولوجيّتنا أن تستمرّ بمنطقها ومقاييسها وهي التي كانت مراجعنا زمن الحرب
بتنا نتّقنُ فنّ التحنيط تحنيط المدينة والشخصيّة، والمعتقد تحنيط الطبيعة، والشارع والزاروب والبناية المهترئة لتبقى كلُّها رموزاً تُكتَبُ في كتاب الأموات الأزلي بُتنا حُرّاس الهيكل وزمن الميثولوجيا والأساطير ولّى  نُريد استحضار الماضي وليس التواصل معه نفتقدُ طائر الفينيق الذي »أعطى الأبجديّة للعالم« لكنّه كان أيضاً وهذا ما لا نُريدُ تذكّره كان يوئدُ الأطفال أحياء على مذبح الآلهة نفتقدُ زمن الفتوحات وننسى أن الممالك التي رافقتها أساءت إلى رعاياها بقدر أعدائها بتنا نحكُمُ على زمن النهضة بـ»التغريب«، وعلى »الحداثة« بالتجديف، والتطوّر المديني بـ»الاستعمار الجديد«، والتطوّر التكنولوجي بـ»الغزو الثقافي الجديد« ونزيد في انفصالنا عن العالم وفي تقوقعنا إلى حدّ الهذيان والهلوسة
بتنا نتّقنُ فنّ التحنيط
ونسينا أن المومياء لا تبني الجديد، وإلاّ بطُلت جيفة وباتت كائناً حيّاً
وكهنة الهيكل لا يبنون الجديد وإلاّ فقدت تعاليمهم معناها
وحُرّاس الهيكل لا يبنون الجديد وإلاّ فقدوا مُبرّر وجودهم
فكيفَ نكون مُبدِعين والإبداع ابتكار ونحنُ لم نعُد نبتكرُ غير فكرة الموت والحفاظ على مظاهره؟
كيفَ نكون مُبدِعين والإبداع إرادة تغيير ولم يعُد لدينا من الإرادة سوى الإبقاء على جسم   مُهترىء، عفنٍ، نخافُ دفنه لربّما كان إيذاناً لنهاية ما هو مهترىء وعفن فينا؟
كيفَ نكون مُبدِعين والإبداع حُلُمٌ بالمستقبل وحُلمنا الوحيد ماضٍ على قياس كلّ واحدٍ منّا، نرتاحُ إليه، يُطمئننا، يُبعدُنا عن الخوف والقلق من مُستقبلٍ لا نَفهم سرّه ولا نُدركُ أبعاده  أونستوعب متغيّراته؟
بيروت هيكل انهار فوق رؤوس أبنائه، بفعل أبنائه، وكهنته، وحرّاسهم
كهنته أو من بقي منهم مستمرّون في تعاليمهم ويتقاسمون بقاياه،
وحرّاسه أو من بقي منهم مستمرّون في الحفاظ على أطلاله ونواميسه المهترئة
أما ناسه أو من بقي منهم فما زالوا غير مصدّقين أن زمن الأساطير انتهى وأن عالماً جديداً لا يؤمن بالأساطير وآلهتها، أو بالهياكل وكهنتها، بدأ إعادة صياغة نفسه عالمٌ لغته لغة البشر، ومفاهيمه مفاهيم البشر، بدأ العدّ العكسي لولوج القرن المُقبِل بهمومه وتحدّياته الجديدة، بأحلامه وصراعاته اللامتناهية وبمساحته الضيّقة بفعل وسائل اتصاله الحديثة
هل نُغامر بإعادة صياغة أنفسنا فنتخلّى عن »التحنيط« ونُضيّقُ المسافة التي تخلّفنا بها عمّا سبقنا إليه الآخرون؟ هل يستحقُّ العالم الجديد المُغامرة من أجله؟

جورج خوري جـــاد