Thursday, February 3, 1994

German Comics الشرائط المصوَّرة الإلمانيّة


الشرائط المصوَّرة الإلمانيّة
في 1896 دَفَعَ نجاح ظهور »الفتى الأصفر« (The Yellow Kid) ، أوّل شريط مصوّر أميركي في صحيفة »نيويورك جورنال« التي يملُكُها جوزيف بوليتزر، منافسه وليم راندولف هيرست مالك صحيفة »نيويورك وورلد« إلى البحثِ عن ردٍّ ، فطَلَبَ من الرسّام الشاب رودولف ديركس الإلماني الأصل إبتكار شريط مصوّر شبيه بسلسلة »ماكس وموريتس« عن الولدين الشقيّين اللذين أطلَقَهما قبيل وفاته معلِّم فن الكاريكاتور الإلماني الرسّام ويلهلم بوش -1908 1832. ودأَبَ ديركس على تنفيذ تعاليم رئيسه وتحوّل »ماكس وموريتس« في 1897 إلى »فتيان كاتزنجامر«     (Katzenjammer Kids)الذين عُرِفوا في أوروبا باسم »بيم، بام، بوم«، الثلاثي الذي يُمكِنُ تسميتُه من دون مغالاة الشريط المصوّر الإلماني الأوّل.
والحقيقة أنّ فنّ الكاريكاتور في الجانب الآخر من الراين الذي عاش عصرَه الذهبي مطلَعَ القرن، لم يبدِ اهتماماً بتحويل القصص المصوّرة أوالـ»بيلدر غيشيشتن« إلى شرائط مصوّرة فعليّة، وبقي مُخلِصاً إلى طريقة عرضِه التقليديّة التي لم تتجاوز إطار الكاريكاتور السياسي-الإجتماعي. وإلى اليوم لا يزال هذا التقليد مستمرّاً عبر أسماء مشهورة عالميّاً مثل ماري ماركس، سيغفريد، كلودفيغ بوث وغيرهم، وهو ما يُفَسِّرُ ربّما غياب الشريط المصوّر المحلّي ونجاح شرائِط مصوّرة سياسيّة-إجتماعيّة مستورَدَة لرسّامين أمثال كلير بريتيشيه أو رايزر الفرنسيَّيْن. ولَم تتمكَّن الموجة الأميركيّة التي اجتاحَت أوروبا في الثلاثينات من اجتياز الراين، حيث كانت القوميّة-الإشتراكيّة تشيدُ بالقيَم العُليا للأمّة الألمانيّة وغيرَ مُستعدَّة  لفَتحِ حدودها أمام ثِمار ثقافةٍ أميركيّة-أنغلوساكسونيّة هي في نظرها نموذجاً للإنحطاط. والمُفارَقَة، أنّ هذا لم يمنَع الدكتور غوبلز الذي عُرِفَ عنه تفكيرُه العَمَلي، من تجميع كمّيات هائلة من الشرائط المصوّرة و الرسوم المتحرّكة من إصداراتوالت ديزني في مكاتِبَ وزارته المسؤولة عن الدعاية النازيّة، وإجبار رسّامين على دراستها رُغماً عنهم في إطار مشروع لتأسيس شريط مصوّر من »المانيا العُظمى« لَم يرَ النور بسبب اندلاع الحرب التي أوجدت أولويّات عسكريّة، والنقص الحادّ  والمتزايد في الورَق.
واقتضى الأمر إنتظار 1951 لتبدأ دار »إيهابا« وهي فِرْعٌ ألماني لمجموعة النشر الدانماركيّة غوتنبرغوس إصدار مجلّة »ميكي ماوس« الأولى المتخصّصة في مجال الشريط المصوّر -رئيسة تحريرها الكاتبة والمترجمة إيريكا فوشس المتخصّصة في تاريخ الفن وعلم الآثار في جامعات لوزان ولندن وميونيخ. ساهمت ترجمتها الألمانيّة لشخصيّات والت ديزني في النجاح الهائل للمجلّة منذ العدد الأوّل. تبِعَها في 1953 الكاتب والناشر الإلماني رولف كوكا -مواليد لايبتزيغ 1917 الذي استوحى من والت ديزني ليبني ثروته إنطلاقاً من ثعلبين ماكرين هما »فيكس وفوكسي« والكلب »لوبو« النسخة الإلمانيّة لـ»بلوتو« أحد أبطال الكرتون الأميركيالذي صدرت مجلّة باسمه. وليست هذه الخطوة هي ما ميَّزَ كوكا عن غيره فهو الأوّل الذي أدخَلَ إلى إلمانيا الشريط المصوّر الفرنسي-البلجيكي محاولاً ربط هذا الفنّ في إلمانيا بجيرانه الأوروبيين مستقلاًّ بذلك عن تقليد »الحليف الأميركي القوي«. وتعرَّفَ الجمهور الإلماني على شخصيات »لاكي لوك« و »سبيرو« و»غاستون« و»شترومف« وغيرها. ويعود إليه الفضل في إصدار نسخة إلمانيّة غريبة من مغامرات »أستيريكس وأوبيليكس« محوِّلاً الأبطال الغاليين الفرنسيين إلى أبطال غوط من الشرق يحاربون الغزاة الغوط الغربيين وليس الرومان-كان غوبلز قدّر هذا العمل في أيّامه. وأوقف غوسيني مؤلّف قصص »أستيريكس وأوبيليكس« السلسلة إحتجاجاً لسنتين إلى أن عادت دار »إيهابا« تصدرها من جديد وتحقِّقَ أرقاماً خياليّة في المبيعات بقيت ظاهرة لا تتكرّر بالنسبة إلى الشريط المصوّر في بلاد الغوط -باعت الدار 1,2مليون نسخة من آخر ألبوم مغامرات»أستيريكس«. وبقيت تجربة رولف كوكا فريدة من نوعها في تاريخ الشريط المصوّر الإلماني خصوصاً بعدما اضطرّ إلى بيع دار النشر التى يملُك في 1973 وآثرَ تأسيس أكاديميّة باسمه لتدريب فنّانين وكتّاب على رسم وابتكار شرائط مصوّرة. له في إنتاج الرسوم المتحرّكة السينمائيّة »توم وبايبر« و»البارون مونتشهاوزن«.
وأصدرت»إيهابا«، إلى مغامرات »أستيريكس«،  سلسلة مغامرات »وسترن« -لكن أوروبيّة هذه المرّة ضمَّت شخصيّات »بلوبيري« و»جوناثان كارتلاند« و»كومانش« و»ماكّوي« أتبعَتهُ بسلسلة أخرى جمَعَت شخصيّات فكاهيّة مثل »إزنوغود« و»أشيل تالون« من الشخصيّات الكلاسيكيّة في عالم الشريط المصوّر الأوروبي. وتقاسمت »إيهابا« سوق الشريط المصوّر الإلماني وثلاث دور نشر كبيرة هي بابل فيرلاغ -دار كوكا السابقة، وباشتاي -بين إصداراتها »إيبس« المجلّة المشهورة التي تُعتَبَرُ النسخة الإلمانيّة لمجلّة »بيف غادجيت« الفرنسيّة،وكوندور التي تنشُرُ شخصيّات دار »مارفيل كوميكس« الأميركيّة.وفي 1952 حاولت دار كاسترمان للنشر إدخال ألبومات »تان تان وميلو« إلى السوق الإلمانيّة، لكن التجربة كانت غير مُشجِّعَة وتوقّفَت في 1961 بعد إصدار 13ألبوماً. وأعادت دار كارلسن الدانماركيّة في 1967 التجربة نفسها بنجاح ساعد فيه إسم الدار الذي يسيطر على كثير من المكتبات والترجمة الجيّدة التي حوّلت إسم مغامرات الصحافي الشاب وكلبه الأبيض الصغير إلى »تيم وشتروبّي«. ولدار كارلسن اليوم أكثر من 250 ألبوماً تجعلُ منها الأكبر في هذا المجال، خصوصاً أنّها أطلَقَت الشريط المصوّر للراشدين عن طريق مغامرات لرسّامين مشهورين فرنسيين وإيطاليين أمثال هوغو برات وتاردي ... والمنافس الرئيسي لـكارلسن في سوق الراشدين منشورات »فولكسفيرلاغ« أسسها ريموند مارتن في 1973  مُستعيناً بألبومات ضمّت إنتاج حركة الشريط المصوّر الأميركي الهامشي المعروفة باسم»أندرغراوند« ومستوحياً النموذج الفرنسي لإصدار مجلّتي »شفيرميتال« -نسخة إلمانية من مجلّة »ميتال هورلان« و»يوكوميكس« التي ضمّت الرسّامين الساخرين الذين ساهموا في شهرة »ميتال هورلان« الفرنسيّة إلى بعض شرائط مصوّرة من مجلّة »فلويد غلاسيال«. ونشرت »فولكسفيرلاغ« إلى اليوم أكثر من مئة ألبوم للراشدين،وهي تستمرُّ في إصدار المزيد على رغم الأشاعات المتكرّرة بقُربِ إفلاسِها .
ولا يُمكنُ الحديث عن الشريط المصوّر الإلماني من دون ذكر التجربة الفريدةالتي شَغَلَت السبعينات، وهي إصدار مجلّة »تساك« عن عملاق الصحافة أكسيل سبرينغر، التي استهدَفَت جمهوراً مماثلاً لمجلّة »تان تان« مستخدمة قصصاً من داري »دارغو« الفرنسيّة و»لومبار« البلجيكيّة، وبدأت بحملة إعلاميّة موازنتها 10 ملايين مارك إلماني وإصدار 440 ألف نسخة للعدد الواحد. وجديد التجربة أن »تساك« إرتأت بَدَل شراء حقوق النشر لدى دور النشر الفرنسيّة والبلجيكيّة التعامُل مباشرة مع الرسّامين، وهكذا تحوّل جيجي ووينبرغ وهرمان وجيرو وغيرهم إلى رسّامين إلمان. وتمكّنت »تساك« من تجاوز الحدود الإلمانيّة فصدرت باسم »وام« في هولندا و»سوبر أس« في فرنسا وبلجيكا،ووصلت إلى أسواق كندا والدول الاسكندينافيّة. وأيّاً كان إسمها فانها حافظت على عد صفحاتها الـ ـ48 وبينها 32 صفحة مشتركة لكلّ الطبعات و16صفحة مختلفة بحسب بلد الإصدار. لكن هذه المغامرة المجنونة عرفت مصير كلّ الأمبراطوريّات وانتهت في ٠٨٩١بشكل مفاجىء.
والسؤال في كلّ ذلك أين الإنتاج المحلّي في عالم الشريط المصوّر الإلماني؟على رغم أنّه لا يُمكن القول أنّه غير موجود، فلا يُمكن الحديث في المُقابل عن حركة لهذا الإنتاج. الرسّام الوحيد المُكرَّس على الصعيد الفيديرالي والخارجي هو ديتر كالنباخ الذي ابتكر لـ»تساك« سلسلة »توري وتوك«. وحاولت دار »بيكر أند كنيغه«  في ١٨٩١ أن تجمَعَ في  صفحات مجلّتها »كوميكسينه« خمسة رسّامين ألمان وسويسريين-ألمان هم ماتياس شولتايس وميكاييل هاو وإدغار برونس وكريستوف روس وهوندو. لكن هذه التجربة التي لاقت ترحيباً من قبل الجمهور توقّفت لأسباب ماليّة. وتتجرّأ مجلاّت دوريّة على نشر نتاج رسّامين محلّيين مثل مجلّة »بلاندر«، لكن هذه المجلاّت لا تفسح في المجال أمام الرسّامين الشباب ـوهم موجودون- باكتساب الخبرة التي يحتاجون إليها. يبقى انتظار دار نشر مثل كارلسن مثلاً ليُقرِّرَ يوماً النفتاح على الرسّامين المحلّيين على رُغم أن نشر انتاج الرسّامين الأجانب عن طريق شراء الحقوق أوفر وفرص نجاحه أكبر.
إذا نظرنا إلى السينما الألمانيّة التي كانت غير موجودة تقريباً في الخمسينات ومدى قوّة حضورها اليوم، يُمكن للمرء أن يَحلَمَ أن الشريط المصوّر الألماني قد يتّخذ المسار نفسَهُ ويأتي يوم يُعطي نفحاً جديداً للإبداع الأوروبي في هذا المجال لمجرّد الاختلاف في الأسس الثقافيّة وطرق التفكير والعادات عن بقية أوروبا. يبقى أن الإنطلاق البطيء والمتأخِّر من سمات المناخ الإلماني سواء في مجالات الموسيقى الحديثة أو السينما أو أي شكل آخر من الثقافة الشعبيّة. لكن سمة أخرى تُميّز هذا المناخ وهي أنّه في كلّ مرّة تنطلقُ حركة ما، فإنّها تتّسِمُ بأهمّية أكبر في ألمانيا منها في أيّ مكان آخر. وليس من سبب يجعلُ الشريط المصوّر الإستثناء الوحيد لهذه القاعدة.
جورج خوري-جــــاد