Sunday, November 22, 2009

جمانة مدلج - الثلثاء 24 تشرين الثاني 2009


أوّل "بطلة خارقة" من نسيج بلادنا، 3 كتب وموقع إنترنت
"ملاك" جومانا مدلج يأتي من الميثولوجيا ليخلّصنا

رحّالة، مغامرة، شابة تُتقنُ فنون قتال الـ "تاي تشي" الصينيّة وتُعلّمُها، متشبّثة بأرضها (وهنا بلاد الأرز "الأبديّة")، صاحبة قضيّة، معاصرة للتكنولوجيا.... هذه جومانا مدلج في الواقع، شخصيّة يمكن أن تكون مستوحاة لشريط مصوّر، وربّما لذلك أتت "ملاك" شخصيّتها المرسومة تُشبِهُ كل ما هي عليه باستثناء القوى الخارقة. وكثيراً ما تساءلت، ومن عرفها معي، أين تجِد الوقت لترسم وتُعدّ كتباً للأطفال، لتعمل على رسوم متحرّكة صغيرة، تقيم معارض، وتبتكر وتنشر شرائط مصوّرة (باللغات الشائعة عندنا: "اللبنانية"، الأنجليزية والفرنسيّة) وأبرزها سلسلة "ملاك" التي تُنهي ألبومها الثالث على صفحات الأنترنت، لتجد طريقها مطبوعة في المكتبات قريباً كما فعلت بالعددين السابقين، ربّما لقناعة منها أن جمهور صفحتها الرقميّة أوسع وأحقّ بالمتابعة من قرّاء كتبها التي تنشر لاحقاً للأحتفاظ بها فرديّاُ.
ومنذ عرفتها في قسم التحريك في تلفزيون "المستقبل" حيث عَمِلَت لسنتين، تستغلّ جومانا مدلج كل فرصة للسفر إلى حيثُ لا نتوقّع: مدغشقر وجزر موريس، فيتنام، لاوس، بربادوس (شرق الكاريبي)، بوفوثاتسوانا (جنوب أفريقيا)، سريلانكا، أثيوبيا وكثر غيرها.... ومثل أي مُستكشف، تعود بمدوّنات خاصّة بكل رحلة، تتضمّنُ صوراً، ونصوصاً وأشياء تعكس "الثقافة المحليّة" - فقصدها ليس السياحة وإنما الأختبار - إلى جانب كمّ هائل من الرسوم التوثيقية لأشكال ، ملابس وأدوات ناسها وطبيعة بلادهم و أهتمامها بالعادات والمعتقدات المحليّة الدينيّة منها والخرافيّة، وخصوصاً رموزها الغرافيكيّة.
"ملاك" تبدأ مع صفحة أولى من صور فوتوغرافيّة مركّبة من شوارع الحرب المدمّرة "التي امتدّت إلى أقاصي الجبل ولم تستثنِ أقدم قاطنيه" أي غابة الأرز، التي تقرّر أشجارها الأزليّة حماية أبناء الجبل "فلنرسل لهم حارساً على صورة إنسان"، وتقوم بتحويل إحدى ثمارها فتسقط بشكل رضيعة يلتقطها أحد الرعاة فيأخذها إلى "أبونا" الكاهن الذي يعتقد أنها ضحيّة إحدى مجازر الحرب. عندها يقرّر الراعي أخذها إلى "حكيم بشرّي حتى نلاقي حدا ياخدها" (والنص في النسخة العربيّة بالمحكيّة اللبنانيّة). عند بلوغها الثامنة عشرة تغادر منزل والديها بالتبنّي (لا نعرفُ عنهما شيئاُ) لتلتحق بـ "الجامعة اللبنانيّة" وتقيم في بيت متواضع للطلبة في العاصمة فتبني لنفسها مجتمعها الصغير من الرفاق. عندها فقط تتعرّف "ملاك" على حقيقة حرب الشوارع والميليشيات التي تتواجه وتكتشف صدفة قدراتها الخارقة التي تجعلها تميّز بين البشر و"الجنّ" الذين يديرون المقاتلين، وتبدأ تواصلها مع "حارس" آخر مثلها من الميثولوجيا الفينيقيّة: "الحصان البحري المجنّح" الذي يُدمَغ رمزه على رقبتها (ننتظر "طائر الفينيق" في أعداد مُقبلة؟). مهارتها القصصيّة أن بطلتها – والقارئ معها – تكتشف قواها تدريجاً على مدى الكتب الثلاث، كذلك أنواع "الحراس" و"الجن والعفاريت" تأتينا تباعاً، فتبقينا في شوق انتظار غير المتوقّع من مفاجآت.
مباشرة وشفافة إلى حدّ السذاجة هي جومانا مدلج. إن كان على مستوى الحبكة القصصيّة ومراجعها الفكريّة والثقافيّة و السياسيّة، أو على مستوى الرسم أسلوباً ومراجع بصريّة. واعتقادي أن هذا الأهتمام الشخصيّ بالمعتقدات والخرافات والرموز إضافة إلى تمسّكها المُعلن بـ"لبنانيّتها" وتعمّقها بالميثولوجيا الفينيقيّة، وراء ابتكار شخصية "ملاك" وشخصيات "عوالم الجنّ" المواجهة لها، في أرضٍ مسرحها الحرب الأهليّة عندنا وتحديداً العاصمة بيروت. وتصرُّ هنا على استخدام الكثير من تعابيرنا المحليّة حتى في نسختيها الأنجليزيّة والفرنسيّة (تترجم معانيها في آخر الكتاب تحت باب ملاحظات "لمن لا يعرف العربيّة"). تكفي مراجعة موقعها على الإنترنت الذي يحمل عنوان "بذرة الأرز" www.ceaderseed.com لملاحظة سعة بحثها في كل التفاصيل الرمزيّة والبصريّة الفينيقيّة ومكانة ورمزيّة "أزليّة الأرز" لديها. ويمكن القول أن "ملاك" هي أول شخصيّة لـ "بطل خارق" Super-Hero مستوحاة من اساطيرنا ومعتقداتنا المحليّة، كذلك خصومها من الجنّ والشياطين والعفاريت. وكأنها تريد أن ترجع إلى ماضينا البعيد آلآف السنين، إلى الكتاب الأول ما قبل التاريخ، إلى الحالة البدائيّة للـ"الهواء والنار (عالم الجنّ) والماء والأرض-التراب (عالم البشر)" تستحضر صراع قواه الخارقة في عالمنا اليوم.
وببراءة طفوليّة، تتعمّدُ جومانا مدلج عدم الغوص في تفاصيل تعقيدات مجموعاتنا وطوائفنا فتبقى فوق سطحها، وكأنها وجدت طريقها إلى إعفاء اللبنانيين مناالخطيئة الأصليّة في افتعال أسباب الحروب عندنا وتحميل مسؤوليّتها إلى تدخّل "عالم الجنّ" في شكل خفيّ عن طريق الميليشيات المتصارعة في تحديد مسار حياتنا، فيما "ملاك" تأتي لتقف إلى جانب المواطنين المغلوب على أمرهم، اللذين لا يجدون من يحميهم سوى "سريّة الدفاع عن المواطن" (هيئة شعبيّة على غرار الدفاع المدني) ولتوعية الآخرين المضللين (فهي لا تقتل البشر!). "وطنيّة" هي أيضاً، فوق الشعوبيات اللبنانيّة وطوائفها، هي الآتية من الجبل المسيحي ورفيقتاها اللتان تلازمانها من المدينة إحداهما يعرّفُ الحجاب عن هويّتها الدينيّة. ربّما أنها تتبع بحرفيّة الكتاب أصول ابتكار "الأبطال الخارقين" المشهورين ببساطة حبكتهم القصصيّة وأحاديّة أبعاد شخصيّاتهم أمثال سوبرمان وغيره، متناسية أن أبطال اليوم في الشريط المصوّر – غير الأميركي طبعاً – هم أكثر تعقيداً وفرادة من النمطية التي أطلقتها "دي.سي.كوميكس" DC COMICS)) أواخر الثلاثينات من الماضي.
مباشر، واضح وبسيط هو أيضاً أسلوب جومانا مدلج في الرسم. خصوصاً في ما يتعلّق بشخصيّاتها. وكأنها تريده لجميع الأعمار (فلسفة مدرسة بروكسيل في الشريط المصوّر) مقنعٌ لمن ابتدأ القراءة حديثاً وغير مملّ للراشد البصري الذي تغريه بتأليف متحرّك للصفحة (على عكس المدرسة المذكورة) واستخدام ذكي للصورة الفوتوغرافيّة في المشاهد التي تريد أن تُضفي عليها طابعاً دراميّاً وسرداً مؤثّراً. أماكن أحداثها مذكورة بالأسم، من محور المتحف حيث المقرّ الرئيس لـ"سريّة الدفاع عن المواطن"، إلى الجامعة اللبنانية، مقهى قهوة الزجاج في الجمّيزة، فخطوط التماس والأبنية المدمّرة، ترسم تفاصيلها بدقّة متناهية (وإن استمرّت ببساطة الأسلوب نفسه). وحين تتناول عالم الغيب ترجع إلى المصادر البصريّة الأركيولوجيّة (الفينيقيّة طبعاً أو ماينسب إليها!). وللراغب في معرفة تفاصيل منهجيّتها الفنّية في الرسم و التلوين أحيله أيضاً إلى صفحاتها على الأنترنت حيثُ تشرح بشفافيّة غير مألوفة مراحل تنفيذ عملها من الخربشة على الورق إلى التأثيرات البصريّة المشغولة على الكمبيوتر، ما يصلح مادة تعليمية في هذا المجال.  
إحترافيّة تطبّق حرفيّاً ما تعلّمته في الكتب عن كيفية انتاج شريط مصوّر. وهي بهذا المعنى نموذج لـ "الأصوليّة" في التنفيذ. تتبعُ منهجاً ونظاماً لا يحتمل أي مجال للصدفة أوالخطأ، تعيد وتعيد إلى أن تصل إلى "ما يجب أن يكون". وربّما كان لأحترافها فنون القتال الصينيّة وتعليمها إيّاها القدرة العالية على رسم الحركات المعقّدة لـ "ملاك"، والكل يعرفُ مدى صعوبة تحريك "الأبطال الخارقين" خصوصاً في الأوضاع القتالية التي يتجاوزون فيها حركات الأجسام البشريّة. وهنا تبدو مقنعة أكثر في تحريك شخصيّاتها في أوضاع القتال منها في أوضاع الحياة اليوميّة، يساعدها في ذلك مهارتها في تأليف صفحاتها بما يتماشى والحركة الدراميّة للقصة وتصاعدها.
ملاحظة قد لا تُضيف على شكل أو مضمون إنتاجها لكني وجدتها ضروريّة. جومانا مدلج، وحدها بين محترفي جيلها تستغل إمكانية الأنترنت لتسويق أعمالها، حيثُ تبدأ نشر قصصها صفحات متتابعة على موقعها الألكتروني قبل إصدارها مطبوعة في المكتبات، و يمكن تحميلها تباعاً على كمبيوتر القارئ. والمتعارف أن توضع المنشورة على الأنترنت بعد صدورها بوقت يكون التسويق الورقي قد استنفذ. وكأنها تريد أن تخلق علاقة مميّزة بين قرّائها الملتزمين متابعتها فيصبحون أوفياء لها ولبطلتها لما تقدّمه لهم من تمايز. وهي نجحت في ذلك الرهان. وتأكيداً لذلك تكفي متابعة ولاء مريديها لها في شراء كتبها (التي تطبعها بأسمها من دون دار للنشر) واكتفائها بتمويل ذاتي لأصداراتها بعيدة عن نغمة المساعدة الماليّة أو التمويل الخارجي الذي تتوسّله فنوننا للأستمرار. وحدها ربّما تحمل القدرة الأكيدة على إكمال طريق طويل بفعل إرادتها الصلبة وولاء "أتباع" ملاكها.
تسأل "ملاك" صديقها الوحيد الذي يعرفُ سرّها (والأجنبي الوحيد أيضاً في السلسلة)، لماذا عاد إلى البلد بعدما واجه الجنّ وبقي على قيد الحياة صدفة. "لأواجه الروح الشرّيرة التي تريد أن تسكنني...الآن وقد التقيت بشيطاني". ربّما هذا ما تدعونا إليه جومانا مدلج و ملاكها في سلسلتها التي لا نعرف نهايتها. أن يواجه كلّ منا "الشيطان" الذي في داخله، الطريق الوحيد للخروج من حروبنا الأهليّة التي لا نعرفُ نهايتها هي أيضاً.

جورج خوري (جــاد)
الصورة 1: جومانا مدلج، مواليد أيلول 1979
الصورة 2: "ملاك" الآتية من التاريخ الميثولوجي
الصورة 3: مسرحها الحرب الأهلية
الصورة 4: شوارع مدينة بيروت
الصورة 5: تتقن فنون القتال