Monday, November 30, 2009

بيروت متحرّكة - الأثنين 30 تشرين الثاني 2009


تؤسس لذاكرة جماعيّة محلّية لفن التحريك
"بيروت متحركّة" شباب من عندنا أعطوها حقّها
أن يقيم أحدهم تظاهرة عندنا خاصة بفن التحريك (of Animation Art) ، خطوة تستحق التنويه. وأن تكون الغاية بحسب ما أعلنته منظمة "بيروت متحرّكة"، هانيا مروّة، تعريف جمهورنا بما لا يصله من هذا الفن الذي يغزو صالاتنا وأصبح له متتبعوه ومريدوه، طموح يعطي حاملته مشروعيّة الاستمرار، هي التي صقلتها تجارب تنظيم النشاطات السينمائيّة وآخرها مشروع "متروبوليس" مع عروض "صالة صوفيل" المغايرة. ربّما هنا الالتباس الذي وقعت فيه مروّة حيث أن هذا الفن ليس من السينما، وهو له مهرجاناته العالميّة المستقلّة والمختلفة بنيةً وتنظيماً، كما أنه بعيد عن فن الشريط المصوّر الذي له أيضاً مهرجاناته المتخصّصة، وهو الالتباس الآخر الذي وقع فيه أيضاً الشريك في هذه التظاهرة متمثّلاً في جمعيّة "السمندل".
نحن إذاً أمام مبادرة كان يجب أن تكون. وفكرة في مخيّلة هانيا مروّة كان يجب أن تولد وتأخذ شكلاً فيه الكثير من التحدّي في بلاد مشهورة بمبادرات الأفراد فيها يساندها القطاع الخاص المحلّي أو المدعوم من الخارج. أتت المناسبة لتكون أكثر من مجرّد سلسلة عروض مبعثرة، لكن في التأكيد أقلّ من مهرجان متخصّص، وهو ليس المحاولة الأولى كما وصل إلى الصحافة. هل نتذكر مهرجان 2003 الذي أعدّته ريتا صعب مكرزل؟
"أين يقف الإنتاج المحلّي (اللبناني والعربي؟) من هذا الإنتشار (لفن التحريك)؟ أيّ مواضيع تُطرح للمناقشة؟"، سؤال أثارته المقدّمة في المنشور الموزّع على الجمهور، ونعيد طرحه على سائله. في الشكل، كنت أتوقّع أن تشمل التظاهرة جميع فئات فن التحريك فلا تقتصر على الأفلام التجريبيّة القصيرة، وهو الأساس الذي قامت عليه المناسبة، والأفلام الطويلة، القليلة والأجنبيّة باستثناء العرض السوري، وأن تتعداها إلى الإنتاجات التلفزيونيّة المتحرّكة، فالعروض الدعائية والأعلانية الغائبة كلّياً، حتى لا نغالي ونتوسّع إلى ألعاب الفيديو والغرافيك المتحرّك والتحريك على الإنترنت (web Animation) وغيرها، وهي كلّها تُنتَج في منطقتنا المتوسّطية ولها صانعوها وسوقها وجمهورها الأوسع.
لم أفهم التجهيل المتعمّد للمحترفين من اللبنانيين والعرب. غياب أسماء مخضرمة من عندنا مثل لينا غيبة وبهيج جارودي وفولفيو قدسي وهاني بعيون غير مبرّر، وقد توقّعت أيضاً تكريماً للفنان إدغار آحو على مجمل إنتاجه وهو غاب عنّا في ذروة عطائه الفريد. مثله، غياب مؤسسات مثل "تلفزيون المستقبل" الذي ينفرد بإنتاج مختلف أنواع التحريك منذ ما يقارب العقدين، أو استوديوات "هدجهوغ" أو "استوديو أميل عضيمي" على سبيل المثال لا الحصر. مفاجئ أيضاً الغياب الكامل للمحترفين المصريين، حيث ان جامعة المنيا السبّاقة في تقديم برنامج تعليم جامعي خاص بفن التحريك في منطقتنا، تخرّج سنوياً ما يقارب 100 طالب ينضمّون إلى السوق المحليّة، أو غياب الاستوديوات المصريّة، وعددها يفوق الخمسين، تنتج وحدها ما يفوق جميع الدول العربيّة مجتمعة، مع التذكير بأن أول فيلم متحرّك عربي "مشمش أفندي" من إنتاج الخمسينات صُنِعَ في القاهرة. هذا من دون الحديث عن المغرب العربي الحاضر بخجل، أو الإنتاج الخليجي، اللاعب الجديد في عالم التحريك العربي.
ربما لأن فريق العمل والإعداد الذي هو أيضاً "لجنة التحكيم" للأعمال المبرمجة للعروض، قادم من خارج عالم فن التحريك (لينا مرهج الإستثناء الوحيد)، وغير ملمّ بتفاصيل أسواقه وانتاجاته وتاريخه عندنا، حيث أن ذاكرتهم لم تذهب أبعد من "غرندايزر" ومحت ما حصل من وقته إلى اليوم. ربّما هذا ما يفسّر أيضاً لغز اختيار الروبوت الياباني لتمثيل أيّام "بيروت متحرّكة"، دونه أي شخصيّة متحرّكة لبنانيّة أو عربيّة أو أوروبيّة أو أميركيّة، وغياب الندوات والمحاضرات التي تُرافق عادة مهرجانات مماثلة. وربما هنا أطلب الكثير من محاولة أولى!
أما في المضمون، والمقصود هنا الأفلام المعروضة، وانسجاماً مع "أين يقف الإنتاج المحلّي"، فسأتوقّف عند المشاركة اللبنانيّة في "بيروت متحرّكة"، وبعض الذين أنقذوا هذه التظاهرة من تقصيرها غير المقصود، وسنتذكّر في التأكيد أسماءهم لسنوات مقبلة لما حمله إنتاجهم من فرادة واحتراف.
غسّان حلواني في "تخبُّط"، وهو أيضاً عنوان أغنية تامر أبو غزالة التي تمتدّ على طول شريطه القصير، ذهب بعيداً في صوغ لغته التي كانت تبحث عن أسلوب في فيلمه الوحيد السابق "جبل طارق". رسّام متمكّن، خطوطه "خام" بالأسود والأبيض، عالمه درامي، حركة أشخاصه مقتصدة، يعوّضها إتقان تحريك الكاميرا. مأخوذ بمدينته والكورنيش، حيث المدينة على الشاطئ عنصرٌ جامع لدى العروض البيروتيّة. يذكّر بأجواء الشريط المصوّر التعبيري وإن كان واضحاً أنّه لم يقلّد أيّاً منها. عينٌ حسّاسة ترافق يداً متوتّرة لتنتج سكينة تكسرها الكلمات والأنغام في الأغنية التي كادت تطغى عليها. تذكير أن شريط مقدّمة عروض "بيروت متحرّكة" من رسومه.
إسم آخر سيرافقنا من الآن هو شادي عون. "أهاوا" شريط يهذي صوراً وحركة وخيالات. المقصود هنا ظلال الراقصة ناديا، التي تتفلّت من جسد صاحبتها لترقص الحرّية فوق سطوح المدينة. جميلة بيروت من فوق، ومتحرّكة فعلاً، وهذا يعطي وأصحابه معنى لعنوان المناسبة. يتقن دقّة التحريك الذي لا يهدأ رسماً وكاميرا. كأنها عين متلصّص تحاول أن تلحق بظلال ناديا التي نخاف عليها من أن يأكلها اللون الأسود. غريب كيف أننا لا نلاحظ أنه أيضاً لون الظلال. خمس دقائق خطفت أعيننا وأنفاسنا، وكأن شادي عون أراد أن يترك فينا إدهاشاً بصريّاً يتجاوز فيه المكتوب والمسموع.
فنّان آخر من "جيل ألبا" هو إيلي داغر. يأخذنا إلى لحظة مستقبليّة سوداء من بيروت، في شريط بالألوان. المدينة التي من المفترض أن تجاور البحر، نضبت فيها المياه حتى من بحرها. التقاتل على جرعة توزّع كالأعاشة، تخطفها فتاة فيطاردها جمع للإنتقام. شخصيّاته نظيفة الرسم واللون، وحركاتها بهلوانيّة، كذلك كاميراه. هنا أيضاً المتعة البصريّة الحرفيّة التي باتت في ما يبدو سمة المعهد الذي يتخرّجون فيه. وعلى رغم الحالة "الأبوكاليبتيّة" للمكان الذي يصوّره إيلي داغر، فهو نجح في إبقاء ملامح بيروت في تفاصيل كدنا نخالها غير ذات أهمّية، فإذا بها المكوّن الأساسي لهويّتها.
جاد صاروط في "زيد وليلى" من إنتاج المعهد نفسه، يحاول إدخالنا إلى الجنّة من طريق سيناريو، فيه من التهكّم والجرأة ما هو غير مألوف عندنا. سخرية سوداء يسردها علينا ببساطة خطّ ولون، تقابلهما حركة لا تهدأ للشخصيّات والكاميرا. يقلّل من التفاصيل المرسومة، يقتصد في الألوان، يتعمّد الإبتعاد من المؤثرات البصريّة. ربّما لجعل المشاهد يركّز على الشاب والفتاة، الشخصيّتين الوحيدتين في الشريط، وتطوّر علاقتهما من الغرام إلى التنافس، فالتباعد، فالأذى، لينتهيا بممارسة الحبّ بشغف على عتبة باب الجنّة وفي عالم الموت المعلّق، فيصل صداه إلى تحت، إلى المقبرة، التي تهتزّ مع لحظة بلوغ نشوة الجماع. لفتني أنّ هؤلاء الشباب، لرهافة إحساسهم أو لعدم اكتراثهم، لم يتقدّموا للتعريف بعروضهم، وكأن أضواء المناسبات تؤذيهم أو لا تغريهم، فتركوا أعمالهم تقوم بالمهمّة عنهم.
من مشاركة الجامعة الأميركيّة في بيروت، يبقى مشروع "دورافور مون أمور" أكثر من مساهمة جماعيّة لطلاّب يأخذون حصّة دراسيّة، وهنا سبب تناوله. هو تحيّة فنيّة لمَعلَم من فترة الحروب عندنا عبر فن الغرافيتي وفن التحريك تحت العنوان الأساسي "لو تنطق الجدران، جدران متحرّكة"، وكنا شاهدنا عرضاً بالتقنيّة نفسها للأرجنتيني "بلو". أهميّته أنّ التحريك عندنا ينتقل للمرّة الأولى من الورق والشاشة إلى الأسمنت المديني، فتحيّة لصاحبة الفكرة لينا غيبة "الغائبة" عن المناسبة! تجربة رائدة في أحد فنون التحريك اجتاح هذيانها البصري ما كان تبقّى من جدران المبنى الذي انتهى هدمه أخيراً. نتوقّع لبعضهم التفلّت من الحلقات الدراسيّة والإنضمام إلى احتراف فنّ التحريك. نذكر: حامد سنّو وفؤاد مزهر، والأخير يملك من المهارة والإنتاج ما يفوق الذي شاهدناه على جدران دورافور.
هنا أحب أن أختم مع "كمان سنة" لينا مرهج التي عوّدتنا تمايزاً في شرائطها المصوّرة. عَرَضت أربعة من حملة ترويج (ثوانٍ لكلٍّ منها) لمنظّمة "أسكوا" التابعة للأمم المتّحدة في مناسبة "يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني". شاركها في التحريك كريم فرح ومايا الشامي، ونصوص لها ولأقلام مهنيّة محترفة: ماهر أبي سمرا، منى أبي ريّان وسحر مندور. لينا مرهج استمرّت كما هي منذ شريطها القصير الأوّل "رسم الحرب"، شفافة، ذاتيّة، ملتزمة قضايا الأنسان، اختطّت لنفسها أسلوباً لا يتقنه سواها، وعاشقة للأسود والأبيض حين تريد أن تروي شرائط مصوّرة ورسوماً متحرّكة. ملاحظة: النصّ المحكي بأسلوب غناء "الراب" لم يكن دائماً مفهوماً لديَّ، مما أفقد الرسالة بعضاً من خصوصيّتها التي يوضحها أكثر الكتاب الذي يحمل العنوان نفسه ووزّع في نهاية العرض.
 في علوم الإجتماع أن المهرجانات والمناسبات المنظّمة تساهم، إذا استمرّت دوريّاً، في خلق ذاكرة جماعيّة وتؤسس لتأريخ يرتبط بالحدث والمكان. وفي اعتقادي أن الدورة الأولى لـ"بيروت متحرّكة" أوجدتها الحاجة المحلّية الى إعطاء التحريك عندنا مشروعيّته واستقلاليّته فنّاً وإنتاجاً وجمهوراً. وهنا أصابت هانيا مروّة التي ندعوها وفريقها إلى ترجمة ما دعتنا هي إليه، "إلى رحلة تغوص في قلب عالم التحريك، لنكتشف معاً بيروت، متحرّكة".

جورج خوري (جاد)