Tuesday, April 24, 1990

Synthetic Art (Lecture)... في فن التركيب الألكتروني


جمعية الفنانين التشكيليين اللبنانيين
في فن التركيب الألكتروني
في مطلَع الثمانينات أعلَن »أنبياء الصورة الجديدة« بداية ثورة، وهتفوا أن الكمبيوتر يمكنه أن ينوب مستقبلاً عن القلم والريشة وحتى الكاميرا ليَخلَقَ من الصفر عوالم وهميّة تُحرّر مخيّلاتنا وتنهي أربعة قرون من الطقوسيّة القائمة على قوانين العَرْض البَصَري »Visual Representation« وتدافع الجميع من علماء جامعة M.I.T (Massachusets Institut of Technology) في الولايات المتّحدة الأميركيّة إلى روّاد كازينوهات مونتي كارلو الأثرياء، لإلقاء نظرات الإعجاب والتقدير على الماكينات الحاسبة الضخمة وهي تتحوّل عن مهمّات الأبحاث الفضائيّة والعسكريّة، إلى وظائف  »إنسانيّة« مثل إعادة تكوين بشرة الإنسان، أو إنعكاسات ضوئيّة على صفحة من المعدن أو تموّجات المياه وكان الحماس على مستوى الحلم القديم خَلق واقعٍ »واقعي« استناداً إلى قوة الذكاء البشريّة وحدها وبين التطبيقات المتعدّدة في مجال المعادلات العلميّة البصريّة بدأت »الصورة الرقميّة« مسارها لفتح آفاقٍ جديدة لاحدود لها
لكن الثورات، وخصوصاً التكنولوجيّة منها، لا تتُمُّ بين ليلةٍ وضحاها وخابت آمال الذين توقّعوا الكثير وسريعاً من »الصورة الجديدة« التي توقّف حدودها عند مُقاربة الواقع وتقليدهفحدود حُلُمِ التقنيّين كان خَلقَ »مارلين مونرو رقميّة« يستطيعون تحريكها وإِنطاقِها كما لو أنه أُعيد بعثُها حيّة، وإن على شاشةووَضَعَ هذا التقديس الجديد المُفرَط للواقعيّة المبدعين داخِلَ جدران تفصلهم عن لامحدوديّة الجماليّة الفنيّة والإبداع، وإن كان هذا الهَوَس الذي يُرافِقُ بداية أي اكتشاف دَفَعَ الإبتكارات العلميّة الإلكترونيّة إلى التقدُّم بخطى سريعةوكأن العالَمَ تناسى للحظة أنّه قبل نحو سبعين عاماً وقبل وجود التلفزيون  والصورة الضوئيّة أو الرقميّة على الكمبيوتر أو حتّى الكمبيوتر نفسه وضعت مدرسة الـ»باوهاوس« الأسس النظريّة لإمكانات العلاقة بين الفنون والتكنولوجيا وقامت بتجارب تناولت مجالات عدّة مثل المسرح والتصوير الفوتوغرافي والسينمائي، ألخ تميّزت  بمحاولة دمج »عمليّة الإبداع الفنّي« في »الفضاء التكنولوجي الحديث«وما يحصل اليوم في مجال »الفنون التكنولوجيّة« يؤكّد نظرة أن »الإنتاج الفنّي ليس قائماً على وسيط واحد« وأن »الخيال الإنساني مفتوح على مختلف الاحتمالات حيثُ تَضطلع الصورة الحديثة والأداة الفنّيّة بدور رئيسي في الإختبار الفنّي على عكس التجارب الماضية«
واليوم يطرح التطوّر العلمي بإلحاح مسألة إعادة النظر في تحديد معالم العلاقة بين التكنولوجيا والفنون، خصوصاً أنّ العالم يمرُّ في مرحلة فريدة من التغييرات قائمة على التطوّر المتسارع للعلوم والتكنولوجيا ففي السنوات العشر الأخيرة حدثت إكتشافات فاقت بأهمّيتها مجموع ما انتجه التاريخ البشري من فكر علمي وتطبيقات تقنيّة له وبدأت عمليّة »تسريع« فهمنا للكون المحيط بنا و»تكثيف« إدراكنا إيّاه، فيما كانت الفنون التشكيليّة منها خصوصاً تتعامل مع محيطها من خلال نظرة إلى العالم سابقة لهذه الإكتشافات، وربّما، من دون إدراك، أن اللغة والإحساس والوعي والإتصال بالآخر تغيّرت وتطوّرت إلى درجة بات على الفنان البصري أن يُجَدِّدَ نظرته إلى عالم اليوم وواقعه الذي بدأ يقترب أكثر فأكثر من حدود الخيال إنها مهمّة تاريخيّة بالنسبة إلى الفنّان، تُبرِزُ أكثر أهمّية الفنون التكنولوجيّة عموماً والفنون الألكترونيّة في شكل خاص
في المفهوم الحديث للصورة
لا بُدَّ من التوقُّف قبل الحديث عن »فن التركيب الإلكتروني« عند المفهوم الحديث للصورة، وهي بالنسبة إلى الفنانين التكنولوجيين تعني قبل كلّ شيء، »أي تركيب بصري تقعُ عليه العين أيّاً تكُن طبيعته أو خصوصيّته« وبذلك يُمكِنُ اعتبار اللوحة التشكيليّة »صورة«، مثلها المنحوتة، أو المشهد المسرحي أو التلفزيوني، مع فارق أن اللوحة الزيتيّة مكوّنة من المواد الزيتيّة والقماشة، ولها مقاييسها الخاصة لجهة التأليف ومزج الألوان وتشكيلها إلخ فيما تتكوّن المنحوتة من المواد الصلبة التي تؤلّفها ضمن مقاييس هندسيّة وزنيّة »loi architecturale de masse« واعتباراتها الخاصّة لقوانين الظلّ والنور إلخ أمّا الصورة الفوتوغرافيّة  فهي كيميائيّة التكوين، والصورة التلفيزيونيّة من ذبذبات فوتوكهربائيّة، وصورة الفيديو كهرومغناطيسيّة، والمشهد المسرحي »صورة بشريّة مركبّة« حتى الجمهور الماثِلُ أمامي الآن »صورة« يُمكنُ قراءتها بصريّاً باحداثيّات وانفعالات تُحدّدُها طبيعتي البشريّة الكائنات الأخرى ترى في شكل مُختَلِف
نذكُرُ أنّه في سياق تاريخ الفنون بات من المسلَّم به أن كل نوع من أنواع الإنتاج الفنّي قائم على ركيزة مُحدّدة سواء القماشةاللوحة أو المواد الصلبةالمنحوتة أو المواد الكيميائيّة الصورة الفوتوغرافيّةوهكذا اقترن كلُّ فنّ بالركيزة المادّية التي تحمُلَه وباتت رسالته محدودة بها أو جزءاً منها في بعض الأحيانالأمر الذي يُعيد النظر بالتسميات والوظائف المرافقة لهذه الفنون والمعنيّين بها، مثل الفنّان التشكيلي (Artiste) الذي اصبح مرادفُه »صانع الصور« »Image Maker«، وتفرَّعَ تاريخ الفنون إلى تأريخ أكثر تخصُّصاً مثل تاريخ الرسم أو تاريخ التصوير الفوتوغرافي إلخ

»الصورة الرقميّة«
(Image Numérique/Digital Image)
يقوم الكمبيوتر بتحويل الصور أيّا تكُن طبيعتها كما أشرنا سابقاً إلى »صور رقميّة« عن طريق ماسح ضوئيScanner أو كاميرا فيديوCamcorder أو بطاقات تحويل رقميّة video card convertor، تمسَحُ أي صورة ثنائيّة الأبعاد أو ثلاثيّة الأبعاد وتحوّل طبيعتها من مائيّة أو زيتيّة في اللوحة، أو حبريّة في العمل المطبوع، أو كيميائيّة في الصورة الفوتوغرافية، أو كهرومغناطيسيّة في الفيديو، إلى أرقام بين الصفر والواحد تتضمّن معلومات عن الأشكال والألوان ليستطيع التعامل معها وهكذا تتحوّل الصور التي تتّسمُ بطبائع مختلفة لا يمكنُ جمعها أحياناً إلى صور تتصفُ بطبيعة واحدة الكترونيّة، يسهلُ العمل على دمجها أو تركيبها في عمليّة الإبداع لاحقاً من هنا تسمية فن »التركيب الإلكتروني« نلفُتُ إلى أن الصوت يُمكِنُ التعامل معه »رقميّاً« ، وهو ما نراه في الأسطوانات المضغوطة Compact Disk التي تستخدِمُ تكنولوجيا »الصوت الرقمي« Son numérique/Digital Sound
ويُمكنُ تقسيم الصور الرقميّة إلى فئتين تلك التي يُمكِنُ الحصول عليها عن طريق أخذها من واقِعٍ آخر كما أشرنا أعلاه، وأخرى يتمُّ ابتكارها من الكمبيوتر نفسه دون اللجوء إلى مصدر بصري خارجي، فالألوان والأشكال في الفضاء الثلاثي الأبعاد من تطبيقات خاصّة بالكمبيوتر الذي يقوم بعمليات حسابيّة لتركيبها وإظهارها أمامنا على الشاشة وهي ما يُعرَفُ بـ»الصورة المركّبة« Image de Synthèse/Synthesis Image
»فن التركيب الإلكتروني«
(Art de Synthèse/Synthesis Art)
يقوم »فن التركيب الألكتروني« على مبدأ إدخال صور لوحات، رسوم، صور فوتوغرافيّة، مشاهد سينمائيّة، إلخ إلى الكمبيوتر والعمل على صياغة صورة جديدة، إلكترونيّة هذه المرّة، لا علاقة لها بما سبقها شكلاً ولوناً وتأليفاً ويمكنُ انتاج هذه الصور بواسطة الكمبيوتر نفسه من دون الإستعانة بصور خارجيّة ويكون التركيب هنا ناجماً عن تعدُّد البرامج Programmes للحصول على أجزاء هذه الصورة التي هي »رقميّة« منذ البداية ولم تكُن ذات طبيعة أخرى
ويبدو مصطلح »فن التركيب الألكتروني« (Synthesis Art) أو »فن الكمبيوتر« (Computer Art) المتفرِّع منه،  تسمية صحيحة وإن تكُن غير  مكتملة صحيحة لأنّها قائمة على »تركيب« (Synthesis) عناصر مختلفة لتكنولوجيا متعددة خصوصاً التكنولوجيا الإلكترونيّة لخَلق معالم لصورة جديدة الكترونيّة هذه المرّة فالصورة أيّاً كان مصدرها وطبيعتها صورة فوتوغرافيّة، لوحة تشكيليّة، صورة فيديو أو بث تلفزيوني تمرُّ مجتمعة أو منفردة، في عمليّة تحويل لطبيعتها لتُصبِحَ »صوراً رقميّة« (Digital Images) يَسهُل على الكمبيوتر التعرُّف إليها والتعامل معها الشيء نفسه ينطبق على الصوت الذي يتحوّل إلى »صوت رقمي« (Digital Sound) يتيحُ دمجه بالصورة بواسطة الكمبيوتر ولا تعود مكوّنات الصورة الجديدة أو الصوت الجديد على علاقة بما كانت عليه سوى بمظهرها كما يتلقّاه المشاهد أو المستمع
من جهة أخرى لا تبدو تسمية »التركيبيّة« مكتملة لأن »فن التركيب الألكتروني« لم يصبح بعد واقعاً عامّا خصوصاً عندناً والواقع أن عدداً كبير من الفنّانين، وبينهم الذين يعملون في هذا المجال، غير مُدركين بالضرورة للتغييرات العميقة التي رافقت »الثروة الألكترونيّة« لذا يمكن اعتبار »فن التركيب الألكتروني« مشروعاً لفن مستقبلي يبحث عن تعريف وهويّة، وكأنّه خط أفق يجب بلوغه
العينالبداية والنهاية
ولم يعرِف تاريخ الفنون مثل هذه الحدّة في التمايز بين الفنون بسبب الأداة مع فن الكمبيوتر، من الواضح والمحسوس والملموس أن الأداة كونها مختلفة أوجدت فنّاً مختلفاً فالقلم والفرشاة والسكّين والأصبع والفحم، واختلاف الألوان وصنعها لم تغيّر الفنون التشكيليّة إلى فنون أخرى لكن الكاميرا الفوتوغرافيّة وحدها أوجدت فنّاً وإن لم يكُن مُعترفاً به عندنا هو» فن التصوير الفوتوغرافي«، وهكذا السينما وهكذا الكمبيوتر فنٌّ جديد كل شيء فيه جديد بما في ذلك أدوات الرسم كالـ»ماوس« تستعيض عن الريشة والقلم والفرشاة، تحرّكها على الطاولة فترسم الصورة على الشاشة وليس الطاولة العين لا ترى اليد وهي تتحرّك وإنّما نتيجة حركة اليد على الشاشة وهنا بداية الإنفصال
الإنفصال بين المادة والأحاسيس الماديّة، وإن تكُن بشريّة كاللمس وبين النتاج التصويري البصري وكأن العين انفصلت عن باقي الجسد وحواسّهحتى أدوات الرسم على الكمبيوتر هي خيالات وهميّة fictives، لأدوات يمكن أن تكون في الحقيقة »الماوس« يختار الفرشاة صورة عن الفرشاة واليد تُحرِّك هذه الصورة التي يصدر عنها نتيجة حركة الفرشاة لكن من وَبرٍ أو شعر يكوّن الفرشاةإنطباعٌ عنتخيُّل أنإيحاءٌ بـوتضيع الحدودالحدود بين الحقيقي والصورة، كون النتيجة واحدة،الفرشاة الحقيقيّة أو صورتها تُعطيان الضربة واللون والشكل والقماش نفسهالحقيقة هي الصورة وما عداها، مادّة أو إيحاء بمادّة، وهمٌ الحقيقة هي ما نراه وليس بماذا أنتِجَ هذا الإنطباع أو ذاكالحقيقة هي العين هي السيّد، المركز، والبداية والنهايةولذا لا يعود الإنتاج سوى صورة، ولا تعود رؤية الإنتاج في اللوحة التشكيليّة أو المسرح أو المنحوتة غير صور تراها العين، وتحسُّ بها العين، وتتفاعل معها لتصمُتَ أو تتراجع اليد واللمس وإذا كانت المهارة اليدويّة التي كانت تُميِّزُ فنّاناً عن آخر، تُعتبرُ تقنيّة، فإنها باتت من صفات الآلة وليس الفنّان الذي انحصَرَ مجاله في دائرة الإبداع والخلق والخيال دون غيرها
دور الفنّان، وحريّة الإختبار
ما يقوم به الفنّان الذي يتعامل مع التكنولوجيا الألكترونيّة ابتعد نهائيّاً عن الملموس المادّي والركيزة التقليديّة لعرضه والصورة التي يُبدعها لم تعُد قائمة على هيكليّة مادّية، وتحوّلت إلى طيفٍ ضوئي أساسه شحنات ألكترونيّة غيّرت أسس العلاقة بين الفنّان وطبيعة انتاجه في السابق كان النتاج الفنّي ثابت القياسات والهيكليّة والركيزة المادّية التي يقوم عليها، ونجده في المتاحف ومحيطنا المباشر فاللوحة مثلاً على قماشة محدّدة وثابتة، كذلك قياساتها وركيزتها، ولايُمكنُ نقلُها أو تغيير حجمها وفجأة، تغيّر كلّ شيء ، وتحوّلت الصور إلى ذبذبات ضوئيّة عابرة تظهر على الشاشة لتختفي من جديد في ذاكرة تحفظُها إلى حين الحاجة إليها من جديد وأيّاً تكُن عمليّة الإبداع الفنّي والنتيجة التي يصل إليها الفنان وركيزة عرضه لها، فإنها باتت خاضعة لمقاييس مختلفة تقتضي من الفنان إعادة النظر في علاقته بالعمليّة الأبداعيّة الوسائل والأدوات المستخدمة مختلفة، الفضاء الذي يتحرّك فيه مُختلِفاً، وطبيعة الأشياء مُختلفة أدوات الرسم، الألوان، الورقة، القماشة ألخ أما الصورة الرقميّة فميزتها أنّها متحوّلة، يُمكن عرضها على شاشة كمبيوتر أو تلفزيون أو عارض ضوئي من دون الإساءة إلى نوعيّتها وطبيعتها الأصليّة
ويتجاوز العملُ الفنّي حدود »التصويري« pictorial إلى مجالات تصويريّة قائمة على »اللامادّية« ، فيماحلّ مفهوم »العلاقة« بين الفنّان وانتاجه، مكان مفهوم »العمل الفنّي« الذي نعرفه الآن مثل اللوحة أو المنحوتة والمقصود هنا أن الفنّان وانتاجه كانا يشكّلان »مجال« العمليّة الإبداعيّة ولا شيء بينهما أما اليوم ومع الفنّان الألكتروني أصبحت العمليّة الإبداعيّة محصورة  في مجال »العلاقة« بين الفنّان وانتاجه، هذه العلاقة التي تختزن مصادر المعلومات المكوّنة للانتاج ولنسمّي هذه العلاقة »شبكة اتصال« Networking ، لكونها عمليّة اختزان لمصدر سمعيبصري وإعادة استخدامه عبر شبكة الاتصال فالصورأو الأصوات تطلُّ علينا حيثُ الحاجة إليها لتتوارى بعد ذلك في ذاكرة الكمبيوتر أو أي طرف ثالث إنّها عمليّة إبداعيّة تستخدم نظاماً وليس شيئاً مادّياً موجوداً في الأصل الحجر مثلاً فتحوّله إلى عملٍ فنّي المنحوتة مثلاً
وإذا تأمّلنا في العلاقة الممكنة بين »تكنولوجيا التركيب الألكتروني« أو التطوّر التكنولوجي والعلوم ، نلاحظُ أن التقدُّم التقني بات مستقلاّ عن حاجات الجماعة ويخضَعُ لمسار تطوّر ذاتي تُحدِّدُه الإكتشافات المتجدّدة إلى درجة انفصل عن تطوّر عموم الناس وإدراكهم وإن كانت أحاسيسهم وأحلامهم وخيالهم مرتبطة إلى حدّ بعيد بالتكنولوجيا ومتأثِّرة بإصداراتها وليس العكس وسيؤدّي هذا الإنفصام أو الإنقطاع في الإتصال إلى تكوين »شخصيّة إنسانيّة« جديدة بدأت معالمها الأولى تبرز مع المحاولة الجديدة لإعادة تركيب العالم والمهمّ في هذه العمليّة أن يكون الفنّان والمفكِّر والمُثقَّف منخرطين في عمليّة صوغ هذه الشخصيّة الجديدة وليسوا متلقّين لها، تاركين للعالِم والتقني مهمّة الانفراد في تحديد شخصيّتهم المستقبليّة عنهم فبرامج الكمبيوتر من صنع هؤلاء التقنيين والعلماء الذين باتوا يحدّدون للفنّان الوسائل والأدوات التي عليه أن يستخدمها في عمليّة الإبداع الفنّي وتصبحُ مشاركة الفنّان ضروريّة في عمليّة وضع احتياجات العمليّة الإبداعيّة أمام التقني والعالِم لابتكار الأدوات والوسائل المناسبة للحفاظ على »إنسانيّة« هذه العمليّة وعفويّتها هذه المساهمة أساسيّة لتجاوز حدود التقنيّة ودفعها إلى آفاق جديدة، ولتحريرنا وتحريرها من التحدّيات العلميّة الصرفة
أما في ما يتعلَّق بمسألة الإختبار الخاصة بفن التركيب الإلكتروني أسمَحُ لنفسي باستعارة ما كتبته الفنّانة لينا غيبة عن تجربتها تقول»ما استوقفني فعلاً في البداية ولا يزال يُدهشني إلى الآن، إمكان الاختيار اللامحدود للعمل الفنّي على الشاشةفلا تردُّد في تغيير الأشكال والألوان، وحتّى الصور نفسها، حيث يُمكنُ في أيّ وقت أو مرحلة من الصياغة الفنّية، العودة إلى الحال التي سبقتها من دون التأثير على النتاج الفنّيوهذا غير ممكن في أي من الفنون الأخرىفإضافة لون على لوحة تشكيليّة يصعُبُ إلغؤها نهائيّاً وتعريض صورة لكميّة من الضوء الإضافي يُغيِّر النتيجة الفوتوغرافيّة نهائيّاً فالتجربة في هذه الحالات مُكلِفَة وقتاً ومادّة، والإضطرار إلى الإعادة قد يُفقِدُنا عفويّة الحال الأولى أمام الكمبيوتر لا أخاف من التجريب ، وغياب الخوف يفتَحُ أمامي لا نهائيّة الإختبار هذه القدرة على الإختبار ناجمة أيضاً عن إمكان تحويل صور وأشياء من عالم حقيقي إلى أخرى جديدة فعلاًهنا يُصبِحُ الخيال غير محدود بإمكانات تقنيّة كما في الفنون الأخرى لأن هناك إمكان تنسيق  الكتروني غير محدود، لصور غير محدودة وأشكال وألوان غير محدودة لا يمكن ابتكارها بالوسائل والأدوات التقليديّة
الشراكة في التفكير
(Associative Thinking)
وما يساعدنا عليه الكمبيوتر، ليس الإعلان عن أفكارنا فالكتب وجدت لهذه الغاية، وإنّما عمّا يمكن أن نسمّيه »عمليّة الشراكة في التفكير« (Associative Thinking)، أو عمليّة التفكير الجُماعي وهذا يعني خلق مستويات عدّة من الصور لكلّ واحدة منها مؤلّفها مصوّر »فكّر« في صورة فوتوغرافيّة ما، ومخرج »فكّر« في مشهد سينمائي ما، وموسيقي »فكّر« في قطعة صوتيّة ما وتسجيلها على اسطوانة لإيصالها عبر شبكة اتصال إلى مستخدم فنّان الكمبيوتر يمكنه أن »يشارك« من سبقوه »تفكيرهم« ويطوّر هذه الصور للوصول إلى صورة مختلفة جديدة هذه »الشراكة في التفكير« قد تتجاوز الفنّان لتجعل أي مستخدم »مشاركاً« وليس متلقّياً فحسب وتبرز أهمّية هذه العمليّة خارج العمليّة الإبداعيّ بذاتها لتطول ما هو محيط بالعمليّة الإبداعيّة أو مرتبط بها من وسائل تعليم أو حفظ للانتاج الفنّي سواء كان الكترونيّاً أو تقليديّاً
وهنا يطرَحُ السؤال نفسه كيف يُمكن أن نرى هذه الأعمال الفنّيّة الالكترونيّة؟ في متحف؟ وأي متحف؟
المتحفُ الألكتروني الحديث لن يتضمّن تقسيماً مُحدّداً بحسب المرحلة التاريخيّة أو الفنّانين أو أنواع الفنون فالأعمال الفنّية موجودة كلُّها داخل ذاكرة الكمبيوتر وعلى المشاهد أو المستخدم أن يختار التقسيم والتوزيع الذي يقضي حاجته سيتحوّل المتحف التقليدي إلى »متحف مربّع« قائم على شبكة اتصال، وغير خاضع لأي تحديد مكاني المتحف الالكتروني لم يعُد مكاناً ذات امتياز، فهو في الفضاء وفي مخيّلتنا في آن، وفي ذاكرة الكمبيوتر و»اللوفر« والسوبرماركت، أو في زاوية غُرفة الشيء الوحيد الذي لا يزال خاضِعاً للتأمُّل هو مُحاولة إيجاد ركيزة جديدة لعَرض الأعمال الفنّية شاشات كبيرة قيد الإنشاء؟ »التجسيم الطيفي« Hollography للمنحوتات المثلّثة الأبعاد؟ وهنا لن نعود في حاجة إلى حافظ متحف أو جامع أعمال فنّيّة في المتحف الجديد الألكتروني لن يكون هناك تقسيم لقاعات متخصّصة للوحات القرن الثامن عشر مثلاً أو للنحت المعاصر أو للوحات الكلاسيكيين فالمستخدم هو الذي يخلقُ هذه الشراكة في الربط والاختيار
ومن الجدير تسجيل ملاحظتين في هذا الشأن أنّه للمرّة الأولى في التاريخ البشري يمكن اعتبار التكنولوجيا ظاهرة كونيّة planetary phenomena  فالتكنولوجيا الألكترونيّة منتشرة في كلّ أرجاء العالم ، بعكس التكنولوجيا القديمة التي كانت مرتبطة بمجموعة إثنيّة محدّدة أو فئة اجتماعيّة دون غيرها تتوارثها من جيل إلى آخر مع الحرص على عدم انتقالها إلى عموم الناس ماذا يمكن أن يحصل إذاً لكل هذه التقاليد؟ إنها اليوم أقرب إلى أداة للترفيه، والفولكلور
خاتمة
خلاصة القول، أنّه في المرحلة الراهنة، وكمرجع تاريخي، لكلّ عمل فنّي أدواته ومتطلّباته التقنيّة سواء في الرّسم أو النحت أو الحفر إلخ هناك دائماً قواعد تقنيّة خاصّة بكلّ نوع من أنواع الفنون وهذه القواعد تتغيّر بتغيُّر التقنيّات وابتكار أخرى حديثة ولهذه الغية أنشئت المحترفات الفنّية قديماً والمعاهد الفنّية والجامعات حديثاً وهذا يقود إلى تأكيد أن حاجة جامعاتنا ومعاهدنا الفنيّة إلى أن تُدرِجَ التكنولوجيا الحديثة في برامجها وتتعامل مع تطوّرها لأن عمليّة الإبداع لدى الإنسان ليست محدودة بأي ركيزة مادّية أو مادّة فنّية، وبالتالي وَجَبَ علينا مواجهة واقع أن أجيالنا تربو مع التكنولوجيا في تعاطيها اليومي، فلنُجنّبها الداء الذي وقعنا فيه بوعي أو عن عدم إدراك لنُجنِّبَ أطفالنا داء الإنفصال
جورج خوري جـــاد
بيروت 24 نيسان 1990