Wednesday, February 3, 1993

Japanese Comics الشرائط المصوَّرة اليابانيَّة


الشرائط المصوَّرة اليابانيَّة




في مخيّلتنا الشعبية أن في اليابان أو أيّ بلد آسيوي »أصفر« يعمَلُ المرء في نظام جماعي أشبه بخليّة نحل ليس لديه من تطلّعات أو أحلام غير زيادة الإنتاج وتطوير المهارة في دقّة صنعه والشريط المصوّر الياباني لا يشذُّ عن هذه القاعدة وإذا كانت صحافة الشريط المصوَّر تعاني من أزمة في أوروبا وخصوصاً في فرنسا -البلد الأكثر إنتاجاً حيث أكثر من ٠٥٪ من »الألبومات« -الألبومكتاب الشريط المصوّر باتت تصدُر من دون نشرِها مسبقاً في المجلاّت المتخصِّصة،فإن الوضع في بلاد الساموراي يجعل أيّ ناشر أو رسّام يحلم بالجنّة ليس لأن مجلاّت الشريط المصوّر المتخصِّصة تُنشَرُ بإعداد خياليّة، ولكن لأنّها ماتزال تمارِسُ دور المختبَر قبل إصدار أي قصّة في»ألبوم« لتفرُزَ بذلك مؤلّفين و رسّامين جدد كلّ سنة

في اليابان،على كلّ شريط مصوَّر جديد أن يمُرَّ في صفحات إحدى المجلاّت المتخصّصة  المعروفة بإسم »مانغا« في شكل مسلسل في حلقات لمواجهة حُكم الجمهور الذي يُعتبرُ »الحَكَم المُطلَق«، حيث تخصّصُ بطاقاتردود في كلِّ عدد للحكم على كل إنتاج جديد و غالباً ما يلبّي الجمهور الطلب و يجيب -موعوداً بجوائز وهدايا لا تحصى و إذا لم تُعجِبْه سلسلة ما يوقِفُ الناشِرُ إصدارَهاوتتلقّى أسرة تحرير مجلّة »شونين جامب« و هي الأولى التي بدأت هذا النظام -يعود إليه الفضل في سعة إنتشارها ما مُعدَّله ٠٠١ألف بطاقة جوابية في الأسبوع وفي المقابل،تعرِفُ أي سلسلة مصوّرة يصادِفُها النجاح في الإمتحان، انتشاراً يحلَمُ به أيّ فنان فيُكرَّسُ عندها »الهاً من ورق« تُطبَعُ سلسلته في ألبوم ينتشِرُ في كلِّ المكتبات، تحوّل قصّته إلى رسوم متحرِّكة للتلفزيون، إلى استخدام شخصيّاته في »الصناعات المرادِفة« -لُعَب و غيرها و الذروة تكون في إصدار القصّة في فيلم سينمائي يوزّع على مُعظَم دور العَرض

غالبيّة المجلات المتخصِّصة -الشهريّة و الأسبوعيّة تتألّفُ من عدد صفحات يراوح بين ٠٠٣ و٠٥٣ صفحة بقياس ٧١٣٢سنتيمتراً  -ظاهرة غير معروفة خارج اليابان نوعيّة الورق عادة رديئة، مما يجعَلُ سماكة المجلّّة تتجاوز الثلاثة سنتيمترات يضمُّ كل عدد بين ٥١ و٠٢ قصّة مسلسلة مطبوعة بالأسود و الأبيض على ورق أسمر يَفصُل بين كل قصّة وأخرى صفحات محدودة للدعاية والتسلية وتُباع المجلّة عادة بما قيمته ٠٨١ين أي نحو دولار أميركى واحد -هناك أيضاً المقارنة بالورقة الخضراء ويقصُدُ الناشِرُ إبقاء سِعر المجلّة منخفِضاً وإن كان يخسَرُ أحياناً، فربحه أساساً من القصّة بعد نشرِها في شكل كتاب وتصدُر كلّ سلسلة بمعدّل فَصلٍ واحد في الأسبوع يقَعُ في ٤١ أو ٠٢ صفحة مرسومة -حُدِّد هذا العدد للصفحات ليساوي الوقت اللازِم لقراءته بين محطّة ميترو و أخرى وتُقرأ المجلّة كلّها بمعدّل ٠٢دقيقة ليكون مصيرها صندوق زبالة أُعِدَّ خصوصاً لها موضوع في كلّ محطات الميترو و الأماكن العامة و محلاّت الأكل السريعوالمُلفِتُ أن كلّ مجلّة موجّهة إلى جمهور مختَلِف بحسب الجنس و الفئة العمريّة و المهنة إلخفهناك مجلاّت للأطفال الذكور وأخرى للفتيات المراهقات، و لعمّال سيارات »ميتسوبيشي« مثلاً أو لمحبّي القصص الجنسيّة العنيفة أو القصص العاطفيّة و هكذاونادِراً ما يُسمَحُ لرسّام من الذكور العَمَل في مجلّة للفتيات و العكس صحيح مبيعات الـ»مانغا« المتخصّصة و عددها يفوق ٠٠٣مجلّة، يتجاوز المليار نسخة سنوياً،حيثُ توزِّع مجلّة »شونين جامب« وحدَها خمس ملايين نسخة في الأسبوعو هذا مردُّه أيضاً إلى »جَشَع« اليابانيين في قِراءة الصُحُف و المَجلات، فصحيفة »أزاهي شيمبوم« اليوميّة توزِّعُ مثلاً ٠١ملايين نسخة، و هو ما لا يحلَمُ به أي ناشِر صحيفة أو»مُلحق« في بلادنا

الركيزة الثانية للشريط المصوّر الياباني هي الكتاب و»الألبوم«  هنا أصغز حجماً من مثيله الأوروبي الذي أصبح نموذجاً عالميّاً،و أصغر أيضاً من الـ»مانغـا« الأمر الذي يقتضي تصغير حجم الصفحات المرسومة قياساً بما كانت تصدر عليه في المجلاّت و الأحجام هنا متنوعّة و لا يحكمها أي نموذج وإن كان ممكناً توزيعها إلى ثلاث فئات كتاب الجَيب الصغير  أو »بونكو« قياسه ٥،٠١٥١سنتيمتراً ويتألَّفُ من ٠٠٢صفحة وحده الغلاف مطبوعٌ بالألوان، واالإصدار في حدِّه الأدنى هو ٠٥ألف نسخة و هو مقصور في العادة على الرسّامين و المؤلّفين المكرَّسين من الجمهور وهناك كتاب الجيب التقليدي -٥،١١٥،٧١سنتيمتراً و يتضمَّنُ نحو ٢١فصلاً لقصّة واحدة يمكن أن تستمرَّ في أكثر من عشرة مجلّدات بعضُ هذه الإصدارات يمكن أن يكون بالألوان لكن المتعارف عليه غالباً هو الأسود و الأبيضيبقى النموذج الفخم بالغلاف المقوّى الشبيه بالطبعات الغربيّة الفخمَة -٥١١٢سنتيمتراً لكن توزيعه محدود لا يتجاوز ثماني آلاف نسخة و سعره يتجاوز سعر الـ»بونكو« بثلاثة أضعاف

وتُوَزَّعُ الـ»مانغــا« و الألبومات في أكشاك خاصّة في محطات القطار و الميترو والأماكن العامة و المتاجر الكبرى و المكتبات وهناك ماكينات توزيع آلي موزّعة في غالبيّة الأماكن التجاريّةفيما التوزيع عن طريق الإشتراك أمر نادر و تتقاسمُ شركتان للتوزيع إحتكار السوق وهما »نيبّان« و »توهان« و الأرقام التجاريّة في هذا الصدد مذهلة أكثر ممّا يوازي ٥١مليار فرنك فرنسي أرباح عام ٧٨٩١، أي أكثر من ٥٢٪ من الأرباح الإجماليّة في مجال النشر في عموم اليابان، و ما يوازي مليار و ٠٠٥مليون نسخة -من الكتب و المجلاّت في السنةو يقدَّر عدد دور النشر المتخصِّصة في مجال الشريط المصوّر في اليابان نحو ٠٦ دار نشر أهميّتها متفاوتة في السوق الذي يهيمن عليه عملاق هو »كودانشا« -كودان تعني رواية،و شا تعني مؤسّسة تجاريّة يوظِّفُ أكثر من ألف أجير و حقَّقَ في ٨٨٩١ ما قيمته  ٣٦،٥مليار فرنك فرنسي أسّسهُ سيجي نوما في تشرين الثاني ٩٠٩١، و ينشر مجلّتي »كودان كلوب« و »يوبن« في ٦٢٩١ كانت دار »كودانشا« تسيطر على ٠٧٪ من الصحافة المتخصِّصة في مجال الشريط المصوَّروهي تنشر اليوم أكثرمن ٠٥ مجلّة وصحيفة -وصلت إلى٥٦٧ مليون نسخة مجتمعة نصفها للشريط المصوَّر الذي معظمه للفتيات رغم أن أكثر مجلاّت الدار إنتشاراً هي »شونن ماغازين« الموجَّهة للفتيان، بدأت في ٩٥٩١ وتزوِّعُ حاليّاً مليونين و٠٠٥ألف نسخة وهناك دور نشر مهمّة أُخرى أبرزها »شوغاكوكان« -تأسَّست في ٢٢٩١ وبدأت نشر شرائط مصوَّرة في ٧٦٩١، »شوي شا« -تأسَّست في ٥٢٩١ و هي تُصدِرُ منذ ٨٦٩١ مجلّة شوكان شونن جامب التي توزِّع اليوم نحو خمسة ملايين نسخة، »أكيتا شوتن« -تأسَّست في ٨٤٩١ وهي متخصِّصة في مجلاّت الفتيات

وحديثاً كرّس المحترفون تقليداً يجمَعُ سنويّاً كل الرسّامين الهواة مرّة في السنة في طوكيولتبادل إنتاجهم، وهم يأتون و معهم نُسَخ من أعمالهم في تجليد فنّي أنيق وفي كلّ سنة أيضاً يبدأ عشرات الرسّامين خطواتهم الأولى في مجال الإحتراف و ينضمّون إلى نحو ثلاثة آلاف رسّام محترِف تستخدمُهم صناعة الشرائط المصوّرة و في العاصمة نفسها معاهد خاصّة عدّة متخصّصة في الـ»مانغــا« أهمّها  معهد »شيودا كوكا غيجوتسو سنمون غاكو« الذي يستقبل سنويّاً نحو مئة طالب ويدير كاتب السيناريو المشهور كازوو كويكي معهداً آخر هو »غيكيكا سونجوكو« الذي تخرَّج منه روميكو تاكاهاشي الرسّام الأكثر شعبيّة اليوم ويتقاضى الرسّام المبتدئ بين ٣آلاف و ٥آلاف ين على الصفحة المرسومة،فيما يرتفع هذا الرّقم إلى ٠٣ألف ين -ألف فرنك فرنسيللصفحة الواحدة،وهو أدنى من الأسعار المتداولة في الغرب -طبعاً ليس عندنا، لكن الياباني يعوِّضُ ذلك بكمِّية الإنتاج، ويتجاوز أجره الشهري متوسّط الأجور عندما يصدُرُ له ألبوم يتقاضى عشرة في المئة من أرباحه حقوقاًولتلبية حاجة السوق يضطرُّ الرسّام إلى استخدام معاونين، لذلك غالباً ما يكون توقيع التأليف لقصّة رسماً و نصّاً لفريق عمل أو مؤسّسة يوزَّعُ العمل داخل هذه الفرق كما في خليّة النحل -أو النمل لا فرق، حيث تُعطى مهمّة التنظيف و صنع الشاي للرسام الذي دخل حديثاً إلى الفريق فيما توكَلُ اليه مهمّة أخرى هي رسم صفحات كاملة لكن غير مُعَدَّة للنشر أمّا “المحترفون” فيتقاسمون العَمَل بين التحبير ورسم الديكور و التلوين ووَصع الشَبَك الخاص بالطباعة، إلخويقتصِرُ عمل رئيس الفريق على تأليف الصفحة ورسم الشخصيّات الرئيسيّة ويحتَفِظُ الرسّامون لأنفُسِهم بحقوق الإستغلال التجاري للشخصيّات التي يبتكروها و منها تحويلها إلى مسلسلات رسوم متحرِّكة أو ألعاب وبِفَضلِ هذه الحقوق لا يُمكِنُ للمرء أن يستَغرِب أن بين اليابانيين العَشرة الذين يتقاضون أكبر أجرٍ هناك ستة رسامي شرائط مصوّرة

يبقى السؤال إلى أي درجة تُعتَبَرُ الشرائط المصوّرة اليابانيّة »أصيلة« أو يابانيّة، نصّاً و شكلاً ؟ ويستنِدُ تقويم »خصوصيّة« الشريط المصوّر الياباني إلى مقياسين فهو خاص إذا أخذنا مقياس أن الشريط المصوَّر يعكسُ بصِدقٍ الحياة اليوميّة لشعب مُختَلِف الثقافة و العاداتوفي هذه الحال تستجيب الـ»مانغــا« إلى هذا المقياس، إذ عبرها يمكننا التعرُّف على المشاكل الإجتماعيّة، ووضعُ المراهقين والمرأة والعمّال في المجتمع الياباني، وحتى أن بروز العُنف المؤذي أو الجنس اللامحدود في غالبية المنشورات الموجّهة إلى الراشدين له تفسيرُه »المحلّي« وهو أنّه يتيح »التنفيس الجماعي« لعُنفٍ داخلي ويمنعُه من الإنتقال إلى الفعل، ويُطهِّرُ البلاد من إحتمالات الإنفجار الإجتماعي التي يُمكِنُ أن تُهدِّدَ النظام العام و اليابان هي نموذجٌ لبلاد النظام الجُماعي الطاغي على الفَردأمّا إذا كان مقياس الخصوصيّة هو مدى ارتباط الشريط المصوّر بالتراث الثقافي وخصوصاً الفنّي لبلاد ما، فإنّ الشريط المصوّر في اليابان لا علاقة له بفن “التصوير الياباني” ESTAMPE الذي علينا أن ننساه كلّياً في أي تقويم للقواعد الفنِّية التي يقوم عليها الشريط المصوّر الياباني الذي يأخُذُ مصدره الجمالي من الإنتاج التكنولوجي الغربي عموماً ولكن أين أصبح التراث في كلّ الفنون السمعية البصريّة أو الفنون المقروءة الحديِثة؟ سؤال يتحفَّظ الجميع عن الإجابة عليه؟

لَيْتَهُم يُدْرِكون


جورج خوري-جــــاد