Sunday, November 21, 2010

مهرجان لوكــا النهـــار الثلثاء 16 تشرين الثاني 2010

لبنان نزل ضيفاً على مهرجان "لوكا" الدولي للشريط المصوّر
مدينة تعيد صياغة نفسها عاصمة للفن التاسع

غريب شعور العائد بعد أكثر من عقدين إلى "لوكا" المدينة التوسكانيّة التي تستضيف منذ أربع وأربعين عاماً مهرجاناً دوليّاً للشريط المصوّر. إدارة المهرجان تغيّرت (القانون الطبيعي للتطوّر في غير بلادنا) لتنتقل إلى جيل جديد من الشباب المتخصّص في المجال بعدما كانت من مجموعة متحمّسين-متطوّعين أطلقت أقدم تظاهرة لهذا الفن في أوروبا (ثاني أكبر مهرجان بعد أنغولام الفرنسيّة). "خِيَمُها" التي تستضيف الناشرين المحلّيين والدوليّين تحتلُّ ساحاتها الست وتصلُ لكثرة عددها إلى أزقّتها الضيّقة و إلى خارج أسوارها وكأنها تفيض بها بعدما كانت ساحتا بيازا ديلا سيتاديلا و بيازا سان ميكيل تعرضان وحدهما وبخجل أسماء فنانين مغمورين وإيطاليين حُكراً هم اليوم أيقونات عالميّة في الفن التاسع من أمثال هوغو برات الذي غادرنا حديثاً أو ميلو منارا وغيرهما.
وإذا كانت المدينة الصغيرة لم تتغيّر، وهي تعود في غالبها إلى القرون الوسطى وبعض طرقها المرصوفة إلى أيام الأمبراطوريّة الرومانيّة الغابرة (تعبير "ذو طابع تراثي" يؤخذ بجدّية مفرطة هناك)، فإن زوّارها الذين "يجتاحونها" للمناسبة في ازدياد متصاعد (135 ألف زائر في أربعة أيام هم عدد الذين اشتروا بطاقات الدخول إلى خِيَمها ومعارضها يضاف إليهم دفق الشباب الوافدين لأحتفاليات أخرى ترافق التظاهرة). واللافت أن الأخيرين،وهم بالآلاف أيضاً، يأتون إلى "لوكا" للمشاركة في عروض شارع لأختيار أفضل زيّ مستوحى من الشخصيّات الكرتونيّة أو "المانغا" اليابانيّة (وهي تستهوي الشباب أكثر من غيرها لغرابتها) أو من أبطال ألعاب الفيديو الألكترونية، السوق الصاعدة في مجال الفنون البصريّة الحديثة والتي يُخصّص المهرجان جوائز لها منذ عقد ونيف تقريباً. بحرٌ من الشباب والشخصيّات مُتقنة التزيين لقصص كأنها هربت من صفحات كتبها لتتحرّر من ضيق خيال مؤلّفيها!
أربعة أيام لا تكفي المُحتَرِف والمتابع للأحاطة بكل جديد في مختلف المجالات التي تنضوي تحت شعار "مهرجان لوكا الدولي للشريط المصوّر وفنون التحريك والألعاب الألكترونيّة". الأختيار يُصبح واجباً والأنتقاء فَرضاً وجدولة الأوقات تتحوّل كابوساً أشبه بمهمّة مدرسيّة إذا قصد المرء مواكبة واكتشاف الجديد في مجال اختصاصه، مثله (في حالتي)، محاولة التعرّف على مطبخها المحلّي المتنوّع والخاص، أو أنواع النبيذ التي تشتهر بها منطقة توسكاني، ويعرفها الذوَاقة المحترفون (لكن هذا موضوع آخر).
يبقى الشريط المصوّر النواة الأساسيّة للمهرجان، وإن كان فن التحريك أضيف إليه منذ خمس. كذلك القسم الخاص بالألعاب. والمقصود هنا كل أنواع اللعب من الورق إلى الألكترونيات مع آخر إصداراتها ولا يضاهيه حجماً إلا مهرجان مماثل للألعاب في ألمانيا. ولكلّ مريد تلبية لحاجته. معارض متخصّصة لمحترفي هذا النوع من الفنون، كُتُب وناشرون لمتذوقي ومتابعي هذا الأنتاج الذي بحسب إحصاءات بات يفوق الأنتاجات الأدبية المكتوبة مجتمعة، إلى الحضور الشخصي لفنّانين يحتشد الناس حولهم من أجل رسوم إهداء شخصيّة أو صورة للذكرى (الرسامون هناك نجوم توازي الشخصيات التي يبتكرونها). عالميٌّ في تنوعّه هو مهرجان "لوكا" (وإن طغى عليه الأنتاج الأيطالي) من اليابان الآسيويّة إلى الغرب الأميركي مروراً حُكماً بالريادة الأوروبيّة لهذا الفن، إلى استحضار تجارب محلّية منسيّة أوعلى هامش الأنتاج العالمي وإلقاء الضوء عليها. ومناسبة السنة في هذا الأطار تمثّلت بالشريط المصوّر اللبناني حيث كان لبنان الدولة الضيف للمهرجان من خلال معرض نُظّم بالتعاون بين إدارة المهرجان ونقابة محترفي فنون الغرافيك والشريط المصوّ والتحريك والكاريكاتير اللبنانيّة برئاسة ريتا مكرزل.
  "لبنان في لوكا". هو الشعور المغاير الذي انتابني. من مشارك عشريني هامشي مغمور إلى منظّم ومشارك لمعرض في وسط الحدث. زينة أبي راشد كانت المميّزة بين الفنانين العشر الذين تمّ اختيارهم لتمثيل أطياف الأنتاج المحلّي أسلوباً، لغةً ومواضيع وكان لديها في إحدى خيم الناشرين حفل توقيع لكتابها الذي صدر حديثاً بالأيطاليّة. عشر من الفنانين اللبنانيين ونماذج لأعمالهم عُرضت (كما المعارض الرسميّة الأخرى) في غُرف مبنى البلديّة الأثري وكان جناح شقيقة نابليون من نصيب العرض اللبناني. أعمال رافقتها مقدّمة مطوّلة عن تاريخ الشريط المصوّر اللبناني من إعداد لينا غيبة نشرت في الكتاب الرسمي السنوي للمهرجان (باللغة الأيطاليّة!)، إلى طاولة مستديرة بإدارتها والمنسّق العام للمهرجان جيوفانّي روسّو، وتحدّثت فيها عن شؤون الفن التاسع عندنا، همومه وانجازاته، نجاحاته وخيباته، مع التطرّق إلى خصوصيّاته التي تراوح بين المعاناة من سلطة الرقابة (واقع الشريط المصوّر الخاص بالراشدين) والصعود المتنامي للشريط المصوّر الديني واالحربي عند الناشئة الصغار (تجربة فريدة "نتميّز" بها عن باقي المجتمعات في العالم حتى تلك التي خضعت لأنظمة توتاليتارية).
احترافيّة بامتياز الأعمال المعروضة في الصالات الأخرى وإن كان بعضها ينحو منحى التجريب. وكأن القيّمين على المهرجان أرادوا التأكيد من خلال خياراتهم وانتقائهم للمعارض الرسميّة أن إتقان الحرفة (وهنا الرسم والكتابة) ممرّ إجباري للأعتراف بشرعيّة العمل، وأن الهامشيّة والتمرّد لا تعني الهواية والأختبار لا يعني الخفّة. خيارات يبدو أنهم يتشاركون فيها مع جمهورهم الألوفي المستعدّ لدفع ثمن المرور من الرتابة اليوميّة إلى داخل أسوار الأبداع والأبتكار.
شعور غريب انتابني، أنا الآتي من مشرق مُثقل بالحروب الدينيّة والمذهبيّة، لرؤية صفحات من الشريط المصوّر وبعضها إيروتيكي، منتشرة داخل كنيسة تحوّلت للمناسبة قاعة للحفل الختامي ولتوزيع الجوائز، تحت أعين تماثيل للقديسين والرسل ولوحات تصوّر أعمالهم. وكأن الشريط المصوّر الذي انطلق حركة تمرّد على الفنون التقليديّة للرسم والتصوير تصالح مع ماضيه البصري داخل مجتمع مدني يفصل فعلاً لا قولاً الدين عن الحياة المدنيّة. ربّما لأن لوكا نفسها، المدينة الأثرية الغارقة في قدمها الديني (أبوابها الست وساحاتها جميعًا بأسماء قدّيسين) تريد القول أن القديم النائي وإن محاطاً بسور فريد في هندسته يفصله عن روما-المركز البعيدة مسافة، يمكن أن يستمرّ عبر إعادة صياغة دوره، فها هي تفرض نفسها العاصمة الأقدم أوروبيّاً للفن التاسع الحديث. ولافتة في هذا المجال المقارنة مع أنغولام الفرنسية، المدينة البعيدة عن باريس-المركز والتي ابتكرت لنفسها الدور إياه عاصمة الشريط المصوّر الأولى.
شعور غريب معاكس هذه المرّة انتابني عائداً إلى بيروت المدينة التي تعيد صياغة نفسها أبداً، والباحثة باستمرار عن دور لها في محيط لا يشبهها. مدينة ناسها غير متصالحين مع ماضيهم وعلى تناقض مع حاضرهم وتنافر مع مستقبلهم. وكأني بها شريط مصوّر يعيد كتابة نفسه إلى ما لانهاية.
مدينة كأني بها الشريط المصوّر بذاته!

جورج خوري (جـاد)

بطاقة المعرض اللبناني:
ضمّ المعرض اللبناني أعمالاً للفنانين: مازن كرباج، جومانا مدلج، فؤاد مزهر، زينة أبي راشد، جورج أبو مهيّا، روني سعيد، هاني بعيون، برّاق ريما، عمر خوري، لينا مرهج مع تكريم للفنّان الراحل إدغار آحو.
نظم المعرض جورج خوري (جاد) في إطار التعاون بين إدارة المهرجان و نقابة محترفي فن الغرافيك والرسم في لبنان.
منح جورج خوري (جاد) خلال الحفل الختامي وعلى هامش المسابقات، جائزة تكريم لمجمل أعماله ومساهمته في فن الشريط المصوّر.