Wednesday, March 7, 2018

"السمندل" عيدُها العاشر كتابٌ في ثلاث نسخ
"توبيا" رافايال معكرون تنقل التجربة إلى الاحتراف


كأنّه كان على "السمندل" أن تنتظر عيدها العاشر لتنتَقِلَ بنيويّاً في الشكل والمضمون إلى حيثُ الشريط المصوّر البديل. ربّما لأن الجيل الجديد القائم على المجلّة والذي تُمَثِّلُه رافاييل معكرون (ومعها جوزيف قاعي في هيئة التحرير) يأتي من الشريط المصوّر دراسة واختصاصاً (وهنا تحيّة خاصة للـ"معلّمة" ميشال ستاندجوفسكي من جامعة البلمند-الألبا التي وضعت وأشرَفَت على البرنامج الأكاديمي الفريد لهذا الاختصاص)، على عَكس الجيل المؤسِّس الآتي من فنون التصميم الغرافيكي أوالفن التشكيلي والسينما جَمَعَه حبّه للشريط المصوّر والرَغْبَة في الاختبار والاكتشاف. الجيلُ الجديد ربى وكَبُرَ على شريط مصوّر أوروبي وعالمي متنوِّع (وما يصدُر فرنسيّاً تحديداً) خصوصاً في مجال الراشدين فيما "السمنيوليّون" الأوائل كَبِروا على مجلات الأطفال العربيّة ومسلسلات الرسوم المتحرِّكَة المُدَبْلَجَة زمن الحرب وبعدها تجربتي الـ "أندرغراوند" الأميركيّة والمانغا اليابانيّة. 
رافايال معكرون أرادَت لـ "توبيا"، عنوان ثُلاثيّتها، أن تكون نقطة تحوّل في مسار "السمندل". أصرَّت على أن ما بين يدينا ثلاث نُسخِ من "كتاب" وليس مجلّة، لديه أغلفة مُختلفة الرسوم لتصميم من الفنّان نفسه. يجتَمِعُ فيه فنّانون من الشباب من اختيارها حول موضوع واحد هو العنوان. أرادت أن يكون الشكل حرفيّاً أقرب الى الصناعة اليدويّة الفنيّة فلجأت الى طباعة الـ "ريزوغراف" التي وإن كانت محدودة بعدد الألوان فإن ما نَتَجَ عنها وبالشكل الذي فَرَضت على الرسامين الالتزام به أعادَ التأكيد أن الشريط المصوَّر يُمكِن أن يكون مساحة تجريب بصري فنّي دون التخلّي عن هويّته ودون مُساوَمة مع الفنون الأخرى. مساهمة برّاق ريما المميّزة بالطباعة الذهبيّة على الصفحات الأربع السوداء وشفافيّة ألوان جوزيف قاعي والهذيان البصري لمازن كرباج أخرجونا عن المألوف. ولأن الانطباع البصري والاختبار الهمّ الأول لم تتردّد في أن يتضمّن الكتاب القصّة نفسها وإنما بألوان خَرَجَت مُختلفة في كل نسخة كما في "بيروت 1988" لإدمون بودوان أو "لحظات مثاليّة" لمارتن ستايمان!
واضِحٌ أن رافايال معكرون لا تهوَ المساومة. وإذا تميّزت "السمندل" بفتح صفحاتها للّغات الثلاث العربيّة والفرنسيّة والإنكليزية وَسَعَت دوماً الى ابتكار حلول بصريّة للانتقال من لُغة الى أخرى عبر فاصل مرسوم يدلّنا على قَلْبِ المجلّة رأساً على عقب لمتابعة القراءة، فأن "توبيا" جاءت ببساطة في ثلاثة كتب للقصص نفسها كلّ بلغة مُختلفة ما أتاح للقارئ مُتعة القراءة البصريّة بغضّ النظر عن لُغَتِه الأم. الأعداد السابقة ألغَت هذه القراءة التي هي أساس في الشريط المصوّر عبر وضع ترجمة للنص في آخر كل قصّة في تنازل واضح ربّما اقتضته ضرورات التمويل والتسويق. واللافت في هذا المجال أن قراءة القصص في اللغات الثلاث مع خصوصيّة القراءة العربيّة من اليمين إلى اليسار لم يتوقّف على عَكْس الصفحة عموديّاً لتغيير المسار وانّما في تغيير اتجاه الكادر نفسَه أو البقاء عليه بحسب ضرورة السرد البصري مثل قصّة جوزيف قاعي، أو الذهاب بعيداً الى درجة أن قصّة الفنّان نفسه تُصبِحُ ثلاث قصَصٍ مُختلفة للموضوع نفسه كما الحال مع ثُلاثيّة أليكس بَلَدي أو الصفحة الأخيرة "احتفال" وتكرار الرسوم بنصوص مُخْتَلِفَة في الكتب الثلاثة.
بعيداً عن التقنيّات والصناعة الفنيّة للإنتاج التي بذاتها قطيعة عمّا سَبَقَها، بان بوضوح الفارق في التعبير والاتجاه بين المشاركين من المؤسسين ورافايال معكرون ورفاقها المحدّثين. وكأن الأوائل باتوا أسرى قصصهم يُرَدِّدونها أو يجرفون منها. برّاق ريما وإن كان لا يزال يُبهرُنا برسومه وأسلوبه المميَّز والطليعي ما زال والتاكسي نفسه وبائع الكُتُب في العربة يُعيدُ أسئلته، وعُمَر الخوري استعانَ بـ "صالون طارِق الخُرافي" للتواصُل ولو بعدَ عشر سنوات. أما مازن كرباج وحاتم إمام فيكرِّران المونولوج الوجودي المُعاد من أفكارٍ سابقة ("السمندل" 2 و"هذه القصّة تجري") ولكن مع فارق الهذيان البَصَري الذي اعتدناه مع كرباج والذي بات مألوفاً. أما لينا مرهج الداعية لتقديم النصّ السردي على أي تعبير بصري بانت وكأن رسوماتها مخربشات أو مسودّات تحضيريّة لِعَمَلٍ ستنجزه لاحِقاً. هل تَعِبَ المؤسّسون أم أنهم ارتَبَكوا أمام طَلَبٍ للمشاركة في موضوع لا يرتاحون إليه أو أن ليس لديهم ما يضيفونه سوى المُشاركة الرمزيّة في الذكرى العاشرة لانطلاقتهم؟ أو ربّما "توبيا" أخذتهم الى حيثُ لا يريدون شكلاً ومضموناً؟
رافايال معكرون صارِمَة ومتطلِّبة من نفسها قبل غيرِها. هي وجيلها يُحاولون أن يكونوا أكثر احترافاً. "قررت أن أرسم لأعيش من رسومي" تقول، والشريط المصوّر لدى جيلها خيارٌ اتخذوه هويّة فنيّة أكثر منه لَعِبٌ في الوقت الضائع بين فنون أُخرى يُراوحون بينها. بالنسبة إليهم الاختبار والتجريب هما من داخل تكوين الشريط المصوّر وليس من خارِجه. القصّة تبغي وضوح السرد وإن كانت كل واحدة منها مفتوحة على التأويل. جوزيف قاعي (المُشارك الفاعل في هذا الإصدار) يأخُذنا في "جبناء" ببراعة وإرهاف بين أزمنة وأمكنة مختلفة وعوالم بين الواقع والحلُم في القصّة نفسها. أصبَحَ مُحتَرِفَ بساطة الخطّ ورهافة تصوير الشخصيّات التي ليست بحاجة إلى تعابير وعيون لِتَصِلَ إلينا فهي أشكال إنسانيّة بلا أسماء. امتهن ملامسة ورقة الرسم متجنِّباً خَدشَها وابتَعَدَ عن التفصيل مُفضِّلاً الإيحاء. وكأنّه يحاول حماية مواضيعه المثيرة للجدل بالبساطة والشفافيّة والانطباع. نقيضته هي ترايسي شهوان في "ألا تعرِف من هي أمّي؟". نسويّة مُقاتلة في اسلوبها وحروفيّتها. قِصَصها دائماً في الشوارع المظلمة من بيروت، شخصيّاتها تتعرّض دوماً للعُنفِ والتحرُّش. مُباشَرة، لا تحتَمِلُ التأويل. منتفِضَة، تواجه دون تراجُع وإن كان أبطالها مكسورون من الداخِل. هكذا أسلوبها الذي بات يُميِّزها: رسمٌ وخطوط عنيفة، تعابير وجوه قاسية، عالمها الأبيض والأسود (هنا أحمر الـ"ريزوغراف" لم يُقلِّل من قوّة التأثير) حروفها حادّة كبيرة وكأنها تَصرُحُ دائماً. أما رافايال معكرون فحفَظَت مكاناً لنفسِها في احتراف صناعة السَّرد وكانت في الشكل الأكثر ألواناً، ربّما لأنها الأكثر تجربة (وجوزيف قاعي) في هذا النوع من الطباعة، اذ سَبَقَ لهذا الثنائي أن انفَرَد باستخدامه في أعمال سابقة. معكرون من القلائل الذين يُحاولون ابتكار حلول بصريّة لنصّ جامد لأحيائه، كاستخدامها لأشكال هندسيّة بدل رؤوس المُغامرين غير جدّها في مغارة جعيتا، فيما شادي غصن "وحشٌ لليلة واحدة" ما يزال يستفزّ القارئ برسمه لحظات حميمة مُضحكة كما في الحمّام أو ردود فعلٍ غير متوقّعة وكلّ ذلك بأسلوب يُذكّرنا بالتعبيريين التشكيليين.
فؤاد مزهر الشاب الآتي من خارِج "جماعة الألبا"، يبقى علامة فارقة في جيلِه. يَنجَحُ فيما يختارَه من مواضيع أو في ابتكاره للشخصيّات وهنا في "حدود51" قصّة من الخيال العلمي الأكثر قُرباً من موضوع الكتاب. دائماً يتجرّأ على المواضيع الجديدة التي تُعطيه لذّة التحدّي والابتكار. حِرَفيّ وروائي بصري بامتياز، سواء في الرسم أو في تصوير الحرَكة والاستخدام المتنوّع لأُطُر الكاميرا. فؤاد مزهر لا يحتاج الا الى القليل للتعبير عن الكثير ومن هنا فرادته. يبقى أن الجيل الجديد ذَهَبَ وإن من دون قرارٍ مُسْبَق بالشريط المصوّر الى أصوله ويخوض التجريب والبحث عن الاختلاف من داخله.
" (...) الشريط المصوّر هو ملجأي الآمن(...)، سلاحي القويّ الذي لا يُخطئ ضد الظلم الاجتماعي، الفساد، التزمُّت الديني، العنصريّة، كراهيّة النساء ورهاب المثليّة، درعي الذي أحتمي به من الأحكام المُسبَقَة والأيديولوجيّات الرجعيّة". مقدّمة أشبه بمانيفستو يتحدّى الآخر ولم يجرؤ عليه من سبَقوها الذين ارتأوا عَدَم الاكتراث الى أن دقّت المُلاحقة القضائيّة بابهم فانسحبوا. في تحيّتها لـ "الحالمين"، تدعونا رافايال معكرون للتعرُّف الى جيل يَحتَرِفُ صناعة الشريط المصوَّر وتُحاوِلُ أن تأخُذَ هذه التجربة إلى حيثُ كان ينبغي أن تبدأ وتستمرّ، كأنها دعوة الى مشاركتها مغامرتها التي نتمنّى ألا تبقى "يوتوبيا" خاصّة بصاحبتها.

جورج خوري (جــاد)