Saturday, March 17, 2018


"ولاد كازا" يطلّون علينا شباباً مُشاكِسين

تمايز بصري وفرادة في اللغة ومفهوم الجماعة



إذا كانت الحركة الحديثة للشريط المصوّر في العالم العربي التي تعنى بالراشدين قامت أساساً (ولا تزال) على مبدأ الجماعة التي تتشكّل من فنانين في كلّ بَلَد يلتقون لإصدار مجلاّت دوريّة لنشر أعمالهم، فان التجربة المغربيّة في هذا المجال يُمكنُ اعتبارها الأكثر جدّية واستمراراً من مثيلاتها في لبنان ومصر وتونس وليبيا والعراق والجزائر وسوريا. وفرادتها تكمُنُ في ارتكازها منذ انطلاقها على مصادِرَ تمويل محلّية تؤمّن استمرارها على عكس المساعدات الأوروبيّة التي غالباً ما كانت وراء انطلاق زميلاتها التي خَفَّ إصدارَها أو توقّف بسبب اختلاف اهتمامات أو نضوب المصدَر، إضافة إلى تركيزها على محلّيتها شكلاً ومَضموناً وتسويقاً.

من عنوانها فَرَضَت مجلّة "سكف كف" هويّتها (وهو اسم سندويش شعبي كريه الرائحة ولذيذ الطعم في الأحياء الشعبيّة للدار البيضاء) سواء على صعيد اللغة (اللغة المحكيّة أساس ومزيج من العربيّة والأمازيغيّة) أو الانتماء الثقافي (العربي-الأمازيغي-الأفريقي) إضافة الى مواضيعها المغرقة في محلّيتها والتي غالباً ما تَطْبَع مضمونها القصصي أو تأثيراته البصريّة. والمحليّة هنا لا تعني بالضرورة استحضار التاريخ وإحياء التراث بقدر ما هي عيش الحاضر المديني والشبابي، وهُم أساساً فنّانو مُدُن و"كازا" ("كازابلانكا") كما يسمّونها تعنيهم كمساحة يجتاحونها سواء بالرسوم على جدرانها أو بانخراطهم في مهرجانات الطريق والموسيقى التي تزيدُ من لُحمتهم وتآلفهم معاً. وغالباً ما نرى في شوارع الدار البيضاء جداريّات من ابتكار وصناعة هؤلاء الشباب الذين بات تعدُّد المواهب صفة مُلازمة لشخصيّتهم الفنيّة. مُلفِتٌ أيضاً كيف أن الدَعوة للمشاركة في كل عدَد تتمَحوَرُ حول موضوع يَعمَلُ عليه المشاركون (انفراد آخر في التجربة لحقتهم اليه مجلّة "السمندل" اللبنانيّة في أعدادها الأخيرة)، وتترافقُ مع إصدارٍ موسيقيٍّ خاص بالحَدَث لفِرَق موسيقيّة بديلة من الشباب يُمكِنُ تَحميلها من الأنترنت.

من هذا الواقع المديني المُعاصر المُنغَمِس في الثقافة الشعبيّة يُمكننا أن نَفهَمَ خلفيّات القصص ورسومات وأجواء فنّانين من أمثال مهدي أناسي (من المؤسسين) في حروفيته المُنمّقة والرسوم الأثيريّة لقصيدته "لمجدوب" التي كَسَرَ فيها التأليف الكلاسيكي للكادرات. كذلك نَفْهَم تحرّر "نورمال" (عبيد أيوب) في الشكل وهو الغرافيكي المُبدِع الذي يُحاكي في رسومه كبار الفنّانين الخياليين، وابتداعه (كما الجميع) لحروفيّة زُخرفيّة خاصة به. ويَذْهَبُ في الاتجاه نفسه كل من موسى لبيض في "زهر ميمون" وعُثمان الإدريسي في "أسطورة اسلي وتسليت". أما فخرالدين اللوحي فاختار ثِقَلَ ازدحام الرسوم والخطوط العنيفة في "حليمة" وغيرها من القصص ليبقى المُتَمَرِّس والحرفي بامتياز. تبقى علامتان فارقتان بين الفنّانين، "Rebel Spirit" (محمد بلاّوي من مؤسسي "سكِف كِف") الذي حلَّقَ بعيداً في تجربته التي باتت من العلامات اللافتة في الفن الشعبيّ Pop Art المغربي مع شخصيّة "مَدَني" الكاريزميّة في شريطه المصوّر "الدليل البيضاوي" (صَدَرَ له كتابان) والذي انتَقَلَ بريشة الفنّان الى لوحات معارض يُقيمها في المغرب وفي الخارج واصدارات لبطاقات بريديّة فنيّة وقمصان وغيرها من السِلَع التابعة. أما العلامة الفارقة الثانية فهي زينب فازيقي الشابة النسويّة المتمرِّدة والصارِخة في وجه السيطرة الذكوريّة التقليديّة للمجتمع المغربي إلى حدّ أن الضوء بات يُسَلَّطُ على شخصيّتها وما تَقوم به من استعراضٍ على صفحتها الرقميّة أكثر منه على أعمالها التي تنحى إلى فن الرسم والتصوير أكثر منها الشريط المصوّر. أمّا زينب بنجلون فشكَّلّت الحال النقيض لفازيقي من حيثُ الانطواء على الذات وانتقاد المجتمَع التقليدي من خلال قصص حميميّة تَكشُف بخفاء ما يدور داخل أسوار "الدار" من دون استفزاز واستعراض. ومُلفِتٌ في هذا السياق مُجاراة دول الشمال الأفريقي لبنان في عدد الشابات في ميدان كان حصراً للذكور ولا يزال في غالبية الدول العربيّة.

تبقى مسألة اللغة التي أعَادَها التيّار الجديد للشريط المصوَّر العربي إلى صدارة النقاش. وبعدَما كانت اللغة الفُصحى هي اللغة الأساسيّة لكلّ المنشورات الصادِرَة في هذا المجال في ظلّ طغيان الفكر القومي التوحيدي المُهَيمِن على الأنظمة التوتاليتاريّة في المنطقة، جاءت الثورات العربيّة لتُعطيَ الأولويّة للمحلّي على صعيد المطالِب السياسيّة والاجتماعية، وحَمَلَ هؤلاء الشباب راية الـ"أنا" في مواجهة الـ"نحن" واحترام التعدُّد الفكري والثقافي والاثني واللغوي في مواجهة "الواحِد" المُهَيمن واللاغي. وربّما كانت "سكف كف" الأكثر وضوحاً في تبنّي هذا الخيار نصّاً وصورة للتعبير عن هذا التعدُّد الذي بَلَغَ حدّ الانفراد بلهجات مناطقيّة وأثنية يصعَبُ على من ليس منها أن يَفْهمها.

 "كازا" في الحدود الأخيرة لعالمنا العربيّ تأتينا بشرائطها المصوّرة ورسوم جدرانها وموسيقاها البديلة لتقول لنا كم هي قريبة المسافات بين تجارِبَ شباب عالم اليوم وإن تبايَنَتْ.

جورج خوري (جــاد)

(*) "ولاد كازا"، معرض للتيّار الجديد في الشريط المصوّر المغربي، بإشراف "مبادرة معتز الصوّاف للشريط المصوّر العربي" التابعة للجامعة الأميركيّة في بيروت. المكان في صالة عرض بنك بيبلوس في الحرم. يستمرّ المعرض إلى 23 من الجاري.