Tuesday, October 9, 2018

سوريا تحكي مأساتها وتُحكى عنها شرائط مصوّرة (2)


أدب، فكر، فن

سوريا تحكي مأساتها وتُحكى عنها شرائط مصوّرة (2)

مشفى مُثقَل بالسواد وعيون جاسم تعبر الحدود

جورج خوري (جاد) 10 تشرين الأول 2018 | 00:00





لا أدري لماذا حضرتني أعمال الرحابنة بعد قراءتي "مشفى الحريّة" للفنان حميد سليمان، الرواية المصوّرة الأولى لفنّان من سوريا الحرب (صدر بالإنكليزيّة وتُرجِم إلى الفرنسيّة في 2016). ربّما هي المقاربة والبنية الروائيّة الأفقيّة وما تربّينا عليه من ثقافة شعبيّة جماعيّة: ابتكار مكان رمزي، وهنا قرية "حورية" في الشمال السوري قرب الحدود التركيّة، شخصيّات رمزيّة تعبِّر عن نماذج من المجتمع القروي، لكن هنا، تُستَبْدَل الأدوار الوظيفيّة كالشاويش والمختار وغيرهما بالانتماءات الطائفيّة والأثنيّة والسياسيّة من السنّي والعلوي والمسيحي والكردي والعلماني والسلفي من دون الغوص في عمق الشخصيّات وفردانيّتها والعلاقات المعقَّدة بينها.

يبقى فارق انتماء المدرسة الرحبانيّة إلى الزمن الجميل والنهاية السعيدة المتسامحة حتى مع الأشرار، فيما يدعونا سليمان إلى أن نعيش الزمن السوري الأسود المغَلَّف بالحزن والسواد والعنف المُفرَط والنهايات المأسويّة التي لا يخرج منها سالماً سوى علاقة حبّ بين ياسمين السنيّة طالبة الصيدلة التي تدير المشفى وفوّاز الفوّاز الطبيب العلويّ الذي انضمّ إلى الثورة في أيّامها الأولى قبل أن يعبرا معاً الحدود نحو الأمان.

حميد سليمان غادر سوريا إلى مصر بعدما أُطلِقَ سراحه ومنها إلى فرنسا حاملاً معه جرح صديقه الأقرب الذي قضى تحت التعذيب في معتقلات النظام، ومرارة تخلّي المجتمع الدولي عن أمثاله من الحالمين بالتغيير فأراد تأكيد الفجيعة. الفواصل الزمنيّة بين الصفحات لا تقف عند عدد الأيّام وإنما أيضاً عند عدد الضحايا، "بعد يومين و472 ضحيّة" ويبدأ السرد. وضع سواده على صفحات "مَشفى الحريّة"، المكان الذي يعتبره بطل الرواية أكثر من شخصيّاتها الـ 12، التي حسناً فعل بتقديم كلٍّ منها في بداية الكتاب. رسوم مُثقَلَة بالسواد (الكتاب غير ملوَّن) زاد حدَّتها استخدامه لتقنية التضاد المكثَّف للأسود والأبيض "high contrast" التي قضت في أحيانٍ كثيرة على وضوح التفاصيل الضروريّة للتعرّف إلى الشخصيّات الرئيسيّة وإن وُجِدَت فتختفي أحياناً، ما يزيد صعوبة متابعة القارئ السرد. الوضوح يبقى في الرسوم المنقولة بدقَّة من الصور المنتشرة بكثرة على الأنترنت (يستحضر صفحات "يوتيوب" تكراراً)، أو في بَعض التفاصيل المعماريّة. ربَّما لأنه جاء من الهندسة المعماريّة وليس من الشريط المصوّر وهو تجربته الأولى فجاء رسمه للحركة تعبيريّاً وسرده البصري مفكّكاً، أو لأنّه اعتمد على رسم كل كادر كلوحة تعبيريّة مستقلَّة أفقدها التناسق التأليفي المُفتَرَض عندما اجتمعت في صفحات شريط مصوَّر.

هو ابن الثقافة السائدة لقنواتنا التلفزيونيّة أو وسائل التواصل الاجتماعي عندنا التي تتبارى في استعراض بشاعة العنف والموت، فلا يتردّد في تصوير رأس مقطوع وعمليَّة نحره، أو ساقٍ مقطوعة وتفاصيل عمليّة بترها. هو وليد هذه الثقافة التي تستطرد في السرد عوض اختزاله. يريد أن يُخبرنا بكل شيء وأن يسرد لنا كل التطوَّر الزمني للثورة التي رافقها منذ بدايتها إلى مصادرتها على يد التطرُّف الإسلامي السلفي و"الداعشي" وقبل أن يضطرّ إلى المغادرة. أطال الشرح والوعظ أحيانا إلى حدِّ أن بعض الصفحات جاءت مثقلة ببالونات الحوار والكلام على حساب الرسم المغيَّب. هو لا يدّعي التجرد وقصّته وشخصيّاته رافعات ليروي رؤيته لما جرى ومحاولة للفهم وإن أقرَّ صادقاً كما نحن بصعوبته. هذا الالتباس لو ظهر في روايته لربّما أنقذها، لكنها جاءت سرداً كرونولوجيّاً للأحداث كما شاهدناها جميعاً.

إذا كان حميد سليمان تجرّأ على خوض تجربة الرواية المصوّرة لنقل واقعٍ حقيقي فجّ ووقح وعارٍ يُرمى في وجوهنا جامعاً كل التناقضات السورية بين أروقة مشفى ميداني، وحاولت مجموعة "كوميك لأجل سوريا" بأقلامٍ مجهولة تخليد النقاوة الثوريّة الأولى، فقلائل هم السوريّون الذين قاربوا المأساة من منظور الشريط المصوَّر، على عكس فنانين من الجوار اللبناني الذي أصبح ملاذاً لمن بقي منهم ولم يهاجر سواء بدافع التضامن أو انطلاقاً من مشاريع لمنظمات غير حكوميّة، في الغالب أوروبيّة. المقاربة هنا مختلفة وتهتمّ بنتائج الحرب على مجتمع كامل من ملايين اللاجئين موزَّعين في شتات الإقليم لنقل معاناة أفراد لديهم أسماء حقيقيّة ومكان حقيقي جاؤوا منه وإن كانوا لا يعرفون إلى أين سيقودهم المستقبل.

"بُكرا انشاالله" عن منظمة التضامن الدولي (سوليداريتي أنترناسيونال) تبنّت هذه المقاربة ودعت فنانين إلى مخيّمات اللاجئين في لبنان ومعايشة تجاربهم. منهم ديالا برصلي (فنانة سوريّة انتقلت من سوريا إلى تركيا قبل الاستقرار في لبنان). أرادت الحديث عن "الشرخ الذي أصاب العلاقة بين الرجل والمرأة نتيجة التهجير والعبء الملقى على الأخيرة لتأمين الاستمرار". لكنها ذهبت إلى أبعد ورسمت بإحساسٍ فنّي على صفحات تشبه دفتر ملاحظات وبرسوم مؤسلبة معاناة الانحدار الاجتماعي لصاحب شركة إلى عامل بناء محروم من الإقامة الشرعيّة، وتعرُّضه اليومي للمضايقات العنصريّة من المحيط أو القوى الأمنيّة التي تستدعيه مراراً للتحقيق. كم هي جميلة ريشة ديالا وألوانها التي لا تستسلم لليأس وتُبقي لحظات الأمل وخصوصاً أوقات اللهو مع الأولاد الذين باتوا خارج مقاعد الدراسة. بدوره، يستخدم كمال حكيم (لبنان) براعته الروائيّة ("زمن القنابل" 2015، عن تجربته الشخصيّة في الحرب اللبنانيّة) ليروي قصصاً من "برج عاصون" قرب الضنيّة. ملجأ جماعي يؤوي 58 عائلة سورية في مقابل 50 ألف ليرة بدل إيجار شهري للغرفة من دون جدران أو حمّامات. يتقن المزج بين السخرية اللاذعة وجدّية الموضوع ويعرف نقل تقاليد الحياة اليوميّة من طريق تفاصيل بصريّة صغيرة يجيد رسمها. هو كالصحافي يعرف ماذا يختار من يوميّات مَن توزّعوا على الطوابق وخصوصاً النساء منهم اللواتي يجتمعن على فنجانٍ من القهوة فيكشف علاقات المرأة ورجلها والزوجة وحماتها، و"صاحبة الدار" وجاراتها. صوَّرَ علاقات غير التي يروَّج لها، فإذا باللاجئ إنسان لا يختلف عنّا إلا بصعوبة ظروفه ومعاناته. كمال حكيم ابتعد أكثر من غيره عن الصورة النمطيّة للاجئ السوري وبهذا اقترب أكثر من سواه من حقيقته كإنسان، وكلُّ ذلك عبر نصٍّ ذكيّ وسردٍ بصري محترف.

لينا مرهج تكمل مسيرتها فنّانة ناشطة حاضرة وداعمة لكل قضيّة منذ بدأت تنشر قصصاً وترسم رسوماً متحرِّكة قبل عقدين. وليس غريباً بعد روايتها المصوّرة عن الحرب اللبنانيّة "مربّى ولَبَن، كيف أصبحت أُمّي لبنانيّة"، و"كمان سنة" عن القضيّة الفلسطينيّة، و"أعتقد أننا سنكون هادئين في السنة المقبلة" عن حرب تمّوز 2006، وتحريرها لـ"خلف الأبواب" عن الجندرة والجنس، أن تقارب الثورة السوريّة، وكما في كل مرّة تركِّز على الإنسان وخصوصاً المرأة. رَسَمَت "سميرة خليل رمز الاستمرار" الناشطة التي اختُطِفَت في بدايات الثورة وإن جاء نصّها بطاقة تعريفيّة أكثر منه رواية شخصيَّة. انضمَّت إلى فريق "بُكرا انشاالله"، وتساءلت في "حيث الحياة يكون الحُبّ" (عن الشاعر محمود درويش) عمّا يمكن المرء أن يفتقده حين يلجأ إلى بلد غير الأصلي، تاركاً وراءه كل شيء باستثناء عادات وتقاليد يتمسّك بها تأكيداً للهويّة والاستمرار. لاجئون في غالبهم من بلدة القصير توزّعوا بين مخيَّم الغزيلة حيث صعوبة الحصول على مأوى وعلى الطبابة لضيق الحال وصعوبة التنقّل، ومخيَّم السمّونيّة ومخيّم قاعبين حيث مشاكل تعليم الأولاد لاختلاف البرامج وعدم القدرة على دفع التكاليف. تحضر عرساً تقليديّاً بمن حَضَر وبما توافَر وبالإصرار على التقيُّد بكل تقليد، من تحضير العروس والحنّة إلى التقديمات الماليّة التي "تساعد في بناء خيمة" وَعَدَها بها الزوج وسط "الردِّيات" والغناء والرقص فوق المأساة. في شريطها المصوَّر بقيت لينا مرهج مخلصة لأسلوبها، هي التي اعتادت رسم العيون الجاحظة في كلِّ شخصيّاتها التي تبدو متشابهة، وغابت عنها التفاصيل الغرافيكيّة الفولكلوريّة التي تحدّثت عنها. وعلى عكس كمال حكيم، بقيتْ مساهمتها أسيرة لسردٍ وصفي لحالات أكثر منها لقصص أفرادٍ لهم شكلٌ محدَّد وقصَّة مختلِفة.


نور حيفاوي فاخوري أرادت أن تكون أكثر تصويريَّة. أخَذَتنا إلى المدينة وأزقّة باب التبّانة وأبي سمرا والقبّة الضيِّقة. لافتٌ التناقُض بين هذا الخارج المزدحم وشبه الفراغ داخل غُرَف اللاجئين التي يقتصر فيها الأثاث على الضروري. بساط على الأرض للأكل والاجتماع، ومثله فُرُش فوق بعضها تُفْرَدُ وقت النوم في غياب الأسرَّة. كراسٍ من البلاستيك مصفوفة حول جدران الغرفة الفارغة لاستقبال الضيوف والأحاديث الجماعيّة، وطبعاً الحسرة على ما قَبْل. الكتاب حاذَرَ الغوص في العمق كأنّه جزءٌ من مهمَّة هدفها إلقاء الضوء على أوضاع اللاجئين وتوعية المتلقّي سواء المقيم أو في الخارج (وُضِعَ بثلاث لغات) وحضّه على المبادرة. وهو ما تسعى إليه المنظمات الدوليّة غير الحكوميّة التي ربّما هي الأخرى تريد هذه المعرِفة قبل غيرها.

وحدها لينا غيبة من روّاد الشريط المصوّر (سوريّة - دانماركيّة مقيمة في لبنان) انطلقتْ من تلقائها في مسار آخر منذ اندلاع الثورة وذهبت لتروي قصص ثمار الأرض التي بدأت تحترق تحت أقدام الجميع. حَكَت "ياسمين الشام" و"صبّارة الغوطة" و"فستق حلب" و"محلب إدلب" و"لوز حمص" وناسها في شرائط مصوّرة صغيرة. بَدَت كأنّها تحاول أن تحفظ ذاكرة الأرض التي خشيت تفتيتها، وتذكير ناسها بما يجمعهم فيها غير الشعارات الرنّانة أو التقاسم الطائفي والمذهبي والعرقي الذي يهدِّدها. في مكان آخر، عادت إلى الوراء، إلى زمن "التربية في ظل الخوف" (منشور على موقع The Nib) والسنوات القليلة التي عاشتها في سوريا في ظلّ نظام التعليم البعثي والقمع الفكري والطغيان الإيديولوجي والتدريب العسكري منذ الصغر. رَسَمَت شريطاً بيوغرافيّاً يمكن اعتباره شهادة حيّة عن البنية التربويّة لثقافة الخوف التي تساهم في أن يفهم من لم يعشها خلفيّة العنف الذي يمارسه الأطراف المتحاربون. أما في مساهمتها الأخيرة بعنوان "جاسم" فالتفتت غيبة إلى الإنسان في شخص ناطور البناية المقابلة لسكنها لتحكي من خلاله مأساة ضحايا لعبة انتقال الصراع والنفوذ العسكريّ من الجيش النظامي، فمقاتلي "داعش" لينتهي بين أيدي الميليشيات الكرديّة المهدّدة باجتياح القوات التركية لولا الوجود الأميركي، هو الذي ترك عائلته وراءه في بلدته جرابلس في عين عرب التي لا يستطيع الوصول إليها.

عيونٌ سائحة ومتأمِّلة بصمت في البعيد الذي يتخطّى الحدود. عيونٌ سوريّة ترتشف القهوة الصباحيّة وتُطِلّ من خلف زجاج مدخل بناية في بيروت. عيونٌ تختزل وحدها مأساة اللجوء.

صباح الخير يا جاسم.