Saturday, October 13, 2018

سوريا تحكي مأساتها وتُحكى عنها شرائط مصوّرة (3)



أدب، فكر، فن

سوريا تحكي مأساتها وتُحكى عنها شرائط مصوّرة (3)

مارفيل تنحني لمضايا و"سيّدة دمشق" تُقتَل في الحبّ

جورج خوري (جاد) 13 تشرين الأول 2018 | 00:02




كأنّه كُتِبَ علينا أن يَرسُمَ عنّا من ليس منّا روايات باحترافٍ أكبر. ربّما لتأصُّل الفنون البصريّة الحديثة عندهم ومنها الشريط المصوّر، وبلوغه مرتبة الاختصاص سواء على صعيد السرد البصري الروائي وتركيبته، أو في بناء الشخصيّات وتصويرها والغوص في التفاصيل المحيطة بها من مكان وأشياء. أو لكوننا ننتمي إلى ثقافة بصريّة مختلفة المُفردات، تختزل الرسم والحالة وتعطي الأولوية للفكرة على حساب تماسك السرد. هي ملاحظة أولى في المقارنة بين ما أنتجناه عن الحرب السوريَّة من شرائط مصوَّرة غابت عنها الروايات الطويلة (باستثناء "مشفى الحريّة" لحميد سليمان)، واقتصرت على أفكار قصيرة لحالة معيَّنة وبطاقات تعريف بشهداء ولاجئين. وهنا تفقد المقارنة معناها.

كثيرة هي الشرائط المصوّرة عن المأساة السوريّة غرباً. منها المصحوبة بهاجس الفهم لما يجري والتأثير في المناخ السياسي العام، أو أُخرى يحرِّكها الاندفاع الإنساني للمساعدة على التخفيف من البؤس. خصوصاً بعدما عَبَرَت موجات اللاجئين الحدود واقتحمت صُوَر الفظاعة والقتل والدمار الحياة اليوميَّة فقَسَمَت هذه المجتمعات بين المتمسِّك بمبدأ المساعدة الإنسانية وبين الداعي إلى الحفاظ على الهويَّة وتسكير الحدود التعاونيّة والثقافيّة والمعرفيّة. وامتدّ هذا الإنتاج من سوقه وجمهوره الطبيعي إلى مساحات لم تكن مألوفة في السابق ودفعت بعض دور النشر إلى الخروج عن طبيعة مسارِها أو الوسط الأكاديمي للانخراط في البحث والذهاب إلى المَصدر للتوثيق وتقصّي الحقيقة.

خروج أوَّل عن المألوف من دار "مارفيل" Marvel Comics المشهورة بإنتاج الأبطال الخارقين الذين يغزون شاشاتنا اليوم والتي ذهبت بالتعاون مع محطّة "آي.ب ي. سي" ABC الأميركيّة إلى مقاربةٍ من نوع آخر. بَنَت قصَّتها على نصوص مراسلات هاتفيّة مع "أمّ من مضايا" Madaya Mom (العنوان) تحفُّظاً على اسمها لحمايتها. سيرة الحياة اليوميّة لأسرة مؤلَّفة من خمسة أشخاص. نصٌّ بسيط ومترابط بصيغة الراوي لتطوّر حصار البلدة إلى فقدان الدواء والمأكل وعجز الأمم المتّحدة عن إدخال المساعدات، فالموت جوعاً أو مرضاً أو قتلاً بالقنص أو في المواجهة. رسوم للكرواتي تاليبور تالازيتش الذي عاش في صغره الحرب الأهليّة اليوغوسلافيّة فعرف معناها، ومحاولة نقلٍ بريشة متمرِّسة لما تعجز الكاميرا عن الوصول إليه. ألوان ترابيّة لا يدخلها الأحمر إلاّ نادراً في حالة قنصٍ أو ما بعد تعَرُّض المدرسة للقصف. رسومٌ معبِّرة تصيبنا مباشرة، خصوصاً مشهد نهاية القصّة لوجه الأم الترابي: "يمكنكم أن تصفوا مضايا بمدينة الموت. كثيرون ماتوا، ومن بقي منهم يمكنكم أن تروا الموت في عيونهم". عيون أمٍّ تختصر المأساة.

"سيّدة دمشق" La Dame de Damas، رواية أُخرى مقتبسة من الواقع لأسرة من داريّا، الضاحية الجنوبيّة - الغربيّة للعاصمة السوريّة، كتبها الأستاذ الجامعي والناشط والديبلوماسي المخضرم جان-بيار فيليو ورسمها الفنان سيريل بوميس. قصَّةُ حبٍّ مستحيل بين كريم المناضل الشاب وفاطمة التي اضطرّت أن تتزوّج من مسؤول النظام في البلدة لفقر حال عائلتها. قصّة شكسبيريّة لمأساة عائلة قُتِل الوالد فيها أثناء الخدمة في لبنان فانضمّ ابنه الأكبر عبد الله إلى الجيش لإعالتها. "روميو وجولييت" سوريّة على خلفيّة الأحداث التي تبدأ باحتفالات ذكرى تنصيب بشار الأسد رئيساً، وبدايات الثورة حيث ينتقل الأخ الأكبر المساند للنظام إلى الثوّار بعد أن يعرف أن قائد المنطقة هو الذي قتل أباه الذي رفض المشاركة في تعذيب معتقلين في بيروت. وتنتهي بالهجوم الكيميائي على ضاحية داريا التي لجأت إليها فاطمة الحامل من كريم وموتهما عشيّة قرارهما الزواج. واضِحٌ من السرد إلى أي مدى يُلِمُّ فيليو بتفاصيل الحياة اليوميّة السوريّة ونسيج التقاليد الاجتماعية ومتابعته للأحداث، هو الذي أمضى ثلاثة عقودٍ متنقَّلاً بين سوريا ولبنان والأردن والعراق. كأنّه نقل إلى الرسّام هذه المعرفة فجاءت سمات شخصيّاته والأماكن والتفاصيل التي نَقَلَها مخلصة لمحلِّيتها. الثنائي فيليو - بوميس ينقل بدقَّة المُراسل العارف وإبداع الروائي المتمرّس والرسّام المحترِف مشاهد من الأحياء واجتماعات التنسيقيّات والتظاهرات الأولى والقمع الأول والخيبة من حياد ممثِّلي الأمم المتّحدة قبل أن ينتهي بنا بالفجيعة الكبرى.           

"حبٌّ صغير"، العنوان الفرنسي لقصّة من إيطاليا بين إيريس الرسّامة الشابة الإيطاليّة وإسماعيل الأستاذ السوري الذي درس وأقام هناك. يقرِّر الثنائي الانتقال إلى بلدة فيريتزي لبدء حياة مشتركة لكنّه يضطرّ إلى السفر عائداً إلى بلاده لإنجاز بعض المعاملات، وقبل أن تكتشف حبيبته أنها تنتظر منه مولوداً. رواية مركّبة لقصصٍ متداخلة ومتوازية بين تلك التي تروي مأساة اختطاف إسماعيل وتعرُّضه للموت وكيفيّة هروبه ولجوئه إلى الأردن من دون هويّة تعَرِّف عنه، وأخرى عن العلاقة بين نور ووالدتها التي هجَرَتها وتَرَكتها لصديقتها للاعتناء بها وتربيتها، إلى ذكريات لقائها الأوّل باسماعيل المرشد السياحي الذي يقع في غرامها لحظة التعرُّف اليها. وعلى رغم أن الرواية تنتهي بلقاء الحبيبين وولادة طفلتهما، فإنها تلقي الضوء على الضرر النفسي الذي أصاب إسماعيل وأبقى العلاقة بينهما مفتوحة على كلّ الاحتمالات. قصَّة مغرقة بالتفاصيل الحقيقيّة التي يبدو أن الكاتبة تيريسا راديتشي جمعتها من قصص اللاجئين في إيطاليا. زاد في متعة قراءتها أسلوبُ الفنّان ستيفانو توركوني الذي برع في تماسك السرد البصري لصفحات الرواية الطويلة (325 صفحة) على رغم تداخل أزمنتها وأمكنتها وشخصيّاتها.

"كوباني تنادي" من إيطاليا أيضاً، بريشة الفنّان الذي يوقَّع بإسم زيروكلكاري. تطوّع للذهاب إلى الخطوط الأماميّة للمقاومة الكرديّة ضد "داعش" تلبية لنداء المقاتلين وخصوصاً المقاتلات اللواتي أوقفن وَحدَهن تقدُّم التنظيم الإرهابي. شهادة حيَّة تُضاف إلى أسطورة الشابات المقاتلات من أجل حرّية "روجافا" (الشمال السوري). وعلى رغم جدّية الموضوع، فإن ما ميّز العمل عن غيره، استخدام الفنان السخرية السوداء سواء في التركيز على جهله لما يجري في سوريا "مثل جميع من هم في أوروبا"، أو في استخدامه أسلوباً في الرسم أقرب إلى الكاريكاتور منه إلى الواقعيّة التي قد يفرضها الموضوع. ربّما هذا ما جعل شريطه المصوَّر الأكثر تداولاً في الأوساط الثقافيّة والشعبيّة على السواء وسلَّط عليه أضواء الإعلام وشاشات التلفزيون وتُرجِمَ إلى أكثر من لغةٍ، في تأكيدٍ متكرّر لتزايد أهميّة هذا الفن في التواصل.

"نيويورك تايمس" خرجت هي الأخرى عن المألوف لتتناول بالرّسم والصورة مأساة اللاجئين السوريين وهذه المرّة في أميركا. تابعت قصّة لجوء عائلة والمشاكل التي واجهتها قبل الوصول إلى "أميركا ترامب"، وبعد ذلك، من صعوبة الإندماج في مجتمعٍ مأخوذ بالرواية الإعلامية و"الأسلاموفوبيا" التي تنتشر هناك. "أهلاً بكم في العالم الجديد"، شريط مصوّر أرادته الصحيفة رسالة واضحة، مباشرة وغير منحازة ضدّ الانغلاق والانسحاب من القيم الإنسانية التي في أساس الديموقراطيّة التي بُنِيت عليها مجتمعاتهم، ما مَنحها جائزة بوليتزر التي أُعطيَت بشكل غير مألوف لتحقيق صحافي.

في الجانب الآخر من المحيط، إهتمام غير مسبوق بموضوع اللاجئين - المهاجرين الذين أصبحوا مشكلة اختَرَقَت حدودهم وبدأت تهّدِّد تماسُكَ قيمهم. "هيثم"، شريطٌ مصوَّر يفتح نافذة أمل للاجئين السوريّين الذين اختاروا المنفى هرباً من الملاحقة والقتل. تأخذنا القصّة الحقيقيّة لهيثم ابن المناضل أيمن الأسود إلى درعا، وينقلها إلينا الصحافي الفرنسي نيكولا هينان، وهو خبير في شؤون المنطقة (اعتقله "داعش" لسنتين قبل إطلاقه في صفقة مع الحكومة الفرنسيّة أثارت جدلاً وقتذاك). يساعده الرسّام الفيتنامي كيونغون بارك الذي شارك قَبلها في رسم رواية جوزف صفي الدين "يللا باي" عن حرب تمّوز 2006. السرد يبدأ من وفاة الرئيس السابق حافظ الأسد وعودة الأب من قطر وبداية انخراطه والناشطين السوريين في ما سُمّي "ربيع دمشق"، الأمر الذي كلَّفه خسارته وظيفته وملاحقة النظام له بعد بداية الأحداث في درعا واضطراره الهرب عبر الحدود الأردنيّة. عمود القصّة المُعاناة التي يعيشها هيثم الولد مع تطوّر الصراع وكيفيّة اضطرار العائلة إلى اللجوء بدورها إلى فرنسا، وصعوبة التأقلم في بلدٍ لا يعرف لغته أو عاداته وتقاليده. هي قصّة نجاح لاحقها الإعلام الفرنسي لإعطاء صورة مشرقة عن اللاجئين السوريّين بخلاف التصوُّر السائد خصوصاً لدى الجهات المحافظة الفرنسيَّة.

لاجئون عابرون للحدود يثيرون الجدل أينما حلّوا ومعه المحاولات الحثيثة للفهم والمساءلة، ليس فقط في ما يتعلّق بأسباب مأساتهم وإنما للغوص عن القيم والمسؤوليّة التي يَتَحَمَّلونها تجاههم. قصص "سليمة، من حلب إلى جولييتا" (كندا)، "هروبٌ من الحروب والأمواج" للفنان أوليفر كوغلر (المانيا)، واللائحة تطول. لافتٌ كيف أن الشريط المصوّر من دون غيره من الفنون البصريَّة بات الأداة المفضَّلة للبحث الجامعي حيث انخرط طلاب جامعات مرموقة مثل جامعة براون الأميركيّة عبر مشروع "لاجئون سوريّون: قصص ومحاولة فهم"، أو جامعة أوغسبورغ الألمانيّة في "قصص من الأوتيل الكبير" رسمها طلاب قسم التصميم الغرافيكي والشريط المصوّر. قصصٌ وكُتُبٌ بالعشرات قَد يسمها البَعض بأنها جزءٌ من السياسات الغربيّة لتبرير التدخّلات، لكن يكفي قراءة واحدة من هذه القصص أو التمعن في واحد من هذه الرسوم لنعرف كم المسافة بعيدة بيننا وهؤلاء الذين ليسوا منّا اندفعوا ليشهدوا على مأساة القرن.

في الرواية المصوّرة "زنوبيا" التي صدرت حديثاً، يحاول الرسّام أن يلتقط اللحظات الأخيرة للفتاة أمينة إبنة العاشرة وهي تغرق في مياه المتوسّط وكيف تمرّ حياتها القصيرة في مخيّلتها، وتتذكّر كيف كانت أمها تخبرها قصَّة زنوبيا قبل النوم. الرواية تنتهي تحت الماء وصورة سفينة غارقة اسمها زنوبيا وأمينة تتمتم: "المكان واسع وفارغ هنا... أَهمس تعالوا خذوني... لكني أهمس في رأسي فقط...".

هم سمعوا همسات أمينة والآخرين مثلها، فيما نحن لا نزال غارقين في حروبنا المستحيلة.