Thursday, October 22, 2015

Beirut Animated 2015

"بيروت متحرّكة 4" وجوهه اللبنانيّة تتحدّى الخريف
تحيّة لـ"ألبا" تُجاور الموج والحبّ وتأشيرة الدخول

يعود "بيروت متحرّكة" في دورته الرابعة يدقّ النفير لجمهور هذا الفن الناشئ والمتصاعد في بلادنا (وكأنّه يدعونا عبر ملصقه لملاقاته في ساحة الشهداء كما العادة اليوم)، على رغم تحدّيات الظروف العربيّة، هو الذي طَرَح نفسه منذ البداية نافذة لأعمال التحريك العربيّة التي لا تَجِدٌ مُتنفِّساً لها على شاشاتنا المُثقَلَة بالترفيه والسياسة. فالثورات العربيّة أوجَدَت مناخات عَمَلٍ وإنتاج شبه مُستحيلة لصانعيها. ربّما هذا ما يُفَسِّر طغيان الاعمال الموقّعة من لبنانيين على ما عداها من أفلام عربيّة لا يزال يغيبُ عنها الأفلام الطويلة.
"بيروت مُتحرِّكة 4" بدا مُختَلِفاً هذه المرة. ربّما لأن لينا مرهج (المديرة الفنّية الحالية للمهرجان) أرادته أكثر إختصاصاً وَسَط منافسات أكبر ميزانيّة وأكثر قدرة على استقطاب نجوم (مهرجان دبي للرسوم المتحرّكة الذي لم يُبصِر النور بعد!). فكان التركيز على أفلام طليعيّة خارج سوق الإنتاج والتسويق والترويج العالميّة وإن كانت رائدة في مجال هذا الفن. من هنا كان اختيار الفنّان بيل بليمبتون ليفتتح المهرجان بفيلمه الجديد "الخيانة". هو الذي يُكرّر "أنا لا اصنع أفلاماً بالغة التقنيّة والكلفة مثل "بيكسار" (Pixar) لكن في التأكيد أكثر فنّيّة وذاتيّة وإنسانيّة منها". كذلك أعمال ماكس أندرسن وهيلينا أهونين الضيفين الآخرين للمهرجان مع فيلم "تيتو مُثَلَّج" عن الحروب اليوغوسلافيّة بعد وفاة "الديكتاتور الجامع" (محض صدفة أم قصد؟).
لينا مرهج وفريقها أرادوا النسخة الجديدة واضحة الهويّة: مُتخصّصة وغير تجاريّة تُعرّفُنا على أفلام وتجارب لا يٌمكن مشاهدتها على شاشاتنا السينمائيّة والتلفزيونيّة. إصرار أيضاً على محلّية العروض بمعنى أن الأفلام المعروضة، حتى العالميّة منها، اختيرت لأنّها شكّلت علامات فارقة ومحطّات تغيير في بيئتها قبل انتشارها عالميّاً (إذا حَصَلَ ذلك). هكذا حَضَر "O!PLA" المشروع الثقافي البولندي الذي انطلق قبل عامين في 51 بلدة للتعريف عن أفلام التحريك المُعاصرَة في هذا البلد حيث الجمهور وحده يختار الفائزين والجوائز. وعن الكلاسيكيّات اختيار أفلام أوسامو تيزوكا (1928-1989) الذي يُعتَبَر أحد أهم مطوّري فن "الأنيمي" الياباني.

"ألبا" ووجوه لبنان

وبحسب الرؤيا نفسها جاء التركيز على التجارب اللبنانيّة وتعريف الجمهور المحلّي بفنّانينه الذين يصنعون الفصول الأولى لهذا الفن الناشئ. والحَدَث هذه المرّة أن لينا مرهج استطاعت أن تجمَعَ هؤلاء الذين من أجيال ومدارس مُختلفة في فيلم قصير واحد قدّم كل فنان فيه بورتريه شخصي متحرّك يُعبّر عن عالمه بأسلوبه الخاص. وكأنها تريد أن تحفُرَ في ذاكرة الجمهور المحلي والقادِم من الخارج توقيعاً من فن التحريك اللبناني عبر وجوه صانعيه. الحدَث الآخر كان الفضاء الخاص الذي منحه المهرجان لـ"الأكاديميّة اللبنانيّة للفنون" (ألبا) مع عَرض "كارت بلانش" لمشاريع تخرّج تلاميذ هذه التجربة الرائدة والوحيدة في بلادنا التي تعنى بهذا الفن أكاديميّاً. وفي اعتقادي أنّه آن الأوان لتكريم "ألبا" على الجهد الصامت والتربية الصارمة والمحترفة لأجيال من الشباب باتت أسماؤهم تلمع في عالم فن التحريك وآخرهم إيلي داغر وفيلمه "موج 98" الذي حاز على السعفة الذهبيّة لمهرجان كان 2015 عن الفيلم القصير. ولم ننسَ بعد أسماء أخرى شكَّلت إضاءات في مناسبات محليّة وعالميّة مثل سينتيا روفائيل، جاد ساروت، شادي عون وباتريك صفير وغيرهم.
والتجارب اللبنانيّة حمَلَت جديدها مع "قذيفة في كلّ مكان" (Un Obus Partout) لزافين نجّار الذي يعود إلى لحظات الحرب الأهليّة اللبنانيّة راوياً حادثة غابرييل الفتى العشريني الذي يريد أن يقطع خطوط التماس ليلتقي حبيبته ويختار وقت إلتهاء القنّاصين بمباراة المونديال. يُتقِنُ زافين الرسم المُسَطّح والألوان المختصرة واللعب بالكاميرا المُرافقة والمونتاج السريع ليركّز على شخصيّاته واللعب على حال انتظار ما قد يأتي ويُفاجئنا في نهاية شريطه.
لِيا نجّار العلامة المحليّة الأخرى مع "السيّدة الفراشة" (Lady Butterfly). تحريك دُمى تحبُسُ فيه أنفاسنا خلال 5 دقائق أوبراليّة تنتهي بنيران تراجيديّة. ولمتخصّصي هذا النوع من التحريك يعتبر التصوير الحيّ للنار الملتهبة مع تحريك الدمى في آن من أبرز التحدّيات. هنا نجَحَت لِيا يُساعدها اندرياس كيسلير في التحدّي وأعطتنا مُتعة بصريّة نادرة من قبل مبتدئة. وما يؤكّد احترافها لفن التحريك (تدرس الآن في أكاديميّة بادن فورتمبيرغ للأفلام) شريطها المرسوم الآخر "القطع" (The Cut) الذي رغم قصره ينمّ عن طاقة واعدة تستحقّ المتابعة.

موجٌ، حبٌّ وتأشيرة

من المحترفين ثلاثة أعمال لافتة وتعبّر صدفة عن مدارس مختلفة في فن التحريك. من لبنان يحضر بهيج جارودي مع "قصّة حبّ بـ7 فصول" (a love story in 7 chapter). ساخر، لاذع، غرائبيّ في تفاصيله إلى حد الاستفزاز، ينفرد جارودي عن غيره من اللبنانيين والعرب باحتراف آليات التحريك السهلة الممتنعة. يحيي مدرسة الخمسينات العالميّة لهذا الفن، يلعبُ بالتقنيّة والتحريك أمثال الكبار مختصراً الخط واللون إلى أقصى مداهما لإعطاء الحركة والتعبير الجسدي والوجوه أقصى فاعليّتها وتأثيرها على المُتلَقّي. ولمتابعي رسومه (illustration) أو أفلامه القصيرة التي تخطّت حدودنا شيوعاً، يبقى هذا الشاب المنزوي الذي يحاكي نفسه علامة فارقة عندنا.
"الموج" يأتي إلينا من سوريا ليستفزّ لامبالاتنا حيال مأساة ناس تعصُف بهم أعنف الأقدار الحديثة. بتقنيّة Stop motion وتوقيع لينا غيبة، مي غيبة، سوسن نورالله وإبراهيم رمضان، يبتعد الرباعي عن المتداول في السياسة ليركّز على الإنسان المأساة. من الإحتجاز إلى التعذيب فالهجرة والموت بالبراميل المتفجّرة أو خلال الهجرة والنزوح، يؤرقنا "الموج" بوجوهه المقنّعة وأجسادها المُرغمة على الحركة وأعينها المفتوحة وإن في الموت. بعيداً عن أيّ مباشرة أو استهلاك للحدث أو افتعال للمشاعِر، يترُك "الموج" فينا شعوراً يفوق بتأثيره كلّ ما عايشناه وما زلنا من مشاهد تملأ فضاءنا المرئي يوميّاً. وأعتقد أن الخلفيّات المختلفة للموقّعين (فن تحريك، غرافيكس، أفلام، شرائط مصوّرة) أغْنَت العمل وأعطته قوّته المؤثّرة. ربّما أيضاً أن بين معدّيه من عايش بعض حالاته (سوسن نورالله لجأت مع عائلتها إلى فرنسا فيما يعيش إبراهيم رمضان متنقّلاً عندنا متسائلاً عن مستقبل). يبقى "الموج" سورياليّاً في أجوائه، ومشاهده أقرب إلى الفن التشكيلي المُعاصر منها التحريك بمفهومه التقليدي (التأثير الواضح لمساهمة التوأم غيبة).
من عالم الفنون المعاصرة أيضاً تطلع علينا نادية الرايس من تونس في رائعتها القصيرة "سبعة أرواح" العنوان العربي لـ (Survival Visa) التي تحكي مآل وهواجس ما بعد الثورات العربيّة. في سيناريو متخيّل تأخذنا الرايس إلى عالم "الوكالة الوطنيّة والعربيّة للبقاء على قيد الحياة" التي تعلن كلّ فترة عن استقبال عدد محدود لطلبات تأشيرات لهذه الغاية. تلجأ إلى تقنية الرسم والتلوين اليدويّ لإضفاء النكهة الخاصّة بها بعيدة عن تأثيرات الكمبيوتر أو التقليل منها إلى أقصى درجة (هنا صدى لكلام بليمبتون). هي الآتية من عالم الشريط المصوّر ووراءها العديد من أفلام التحريك القصيرة. مُخلِصَة لمسارها التجريبي وهويّتها البصريّة، تأخذنا الرايس هذه المرّة إلى عالم النمطيّة في الشخصيّة العربيّة التي لم تُغيّرها الثورة ما يبرّر نمطيّة رسومها وأشخاصها.

"أشياء فعّالة" ومحاضرات

ولم ينسَ المعدّون الدور التأسيسي الذي دأب عليه لـ" بيروت متحرّكة" منذ انطلاقه. هذه المرّة كان مع ورشتي العمل التي خصّصتها الجامعة الأميركيّة في بيروت و"ألبا" لطلابهما مع بيل بليمتون وماكس أندرسن وهيلينا أهونين والمحاضرات المفتوحة لصيوف المهرجان أمام الجمهور في صالات متروبوليس نفسها. أما النقاشات فتمحورت حول ندوة "10 أشياء فعّالة وغير فعّالة" التي تواجه فنّاني التحريك عبر عرض التجربة الشخصيّة لكلّ من إيلي داغر، جوان باز، ستيفاني معوّض وكريم قبراوي كلّ من زاويته. ويأتي الموضوع وسط ضحالة الإنتاج العربي المتأثّر بالثروات العربيّة.
"بيروت متحرّكة 4"، على رغم تواضع إمكاناته والضآلة المحليّة للإنتاجات العربيّة في مجال فنّ التحريك (مثله الفنون الأخرى؟)، يُعطي خريف بيروت "نسمة ربيع" وَسَط تساقط الأوراق الصفراء في الفضاء العربي المحيط بنا... ربّما لأنه يصرُّ ويعانِد عبر وجوه حفنة من الفنّانين الذين وقّعوا دورته الحاليّة... وجوه تقول لنا عشقها الرسم والتحريك واللهو والتجريب...
جورج خوري (جـــاد)