Tuesday, October 20, 2015

Cairo Comics (2) 2015

"كايرو كوميكس" فتحت أمامنا "شكمجيّة" التيّار الجديد
شرائط مصوّرة محكيّة، شعبيّة، ومفتوحة على فضاء التجريب

في طريق العودة إلى بيروت في اتّجاه المطار، استوقفني عدّاد رقميّ كبير فوق مبنى يُعلِن في شكل آنيّ تعداد المصريين الذي تجاوز 89.7 مليوناً (لم أحفظ الرقم الكامل لكبره). ومن السائد أنّ ثورة مدويّة لشعبٍ بهذا الحجم لا بدّ أن تُطلق العنان لكمٍّ نسبيّ من الإبداعات. أو العكس في حال الردّة. "كايرو كوميكس" يؤكّد أن الشريط المصوّر المصري مازال يعيش الحال الأولى. إصدارات مستمرّة، بعضها يتوقّف بعد صدوره إمّا لخصوصيّةٍ لم يأتِ أوانها وبعيدة عن متطلّبات السوق الناشئة، أو لأن مموّليها حَدَتهم نزوة اللحاق بـ"موضة" رائجة أكثر منها المشاركة في تأسيس حالة ثقافيّة فتراجعوا. فيما بعضهم الآخر وَجَد "الخلطة" السحريّة فاستمرّ وأصبح مَعلماً ثابتاً في المشهد "الكوميكساوي" (كما تحلو التسمية للعاملين في مجاله).
قواسم مُشتركة تجمع الإصدارات الأخيرة. أوّلها الكتابة والتعبير باللهجة العاميّة. وكأن الصحوة التي رافقت الثورة كانت مصريّة قبل أي شيء آخر. وربّما هو الحنين إلى أيام العصر الذهبي ستينات القرن الماضي مع مجلة "سمير" حيث المحكيّة كانت من العوامل الأساسيّة لإنتشارها. أو في بساطة أن الشريط المصوّر هو فنّ رسم الحركة العفويّة اليوميّة وتعابيرها الشعبيّة أين الفصحى منها. ومنذ "مترو" المؤسس، يُصِرُّ رسّامو الموجة الجديدة في "توك توك"، "جـراج - ممنوع الوقوف"، "الشكمجيّة"، "فوت علينا بكرة" وغيرها من الدوريّات، على مخاطبة ناس يومهم من جيلهم وشارعهم بلغتهم. بها يتكلّم "الحج السايس" الأمّي عند شنّاوي، و"أمّ صدفة" للفنان أنور، و"سعيد متولّي" هشام رحمة. وقد يُمعِنُ آخرون من أمثال مخلوف وأنديل في المحليّة التي لا يفكّ رموزها غير ناسهم (حتى وإن كنّا نألف المسلسلات المصريّة).  

كُشَري وشكمجيّة

توجّه آخر مُشترك بين الإصدارات أنها مُلتزمة حالات مجتمعها وتعبّر عنه وإن ذهبت أحياناً إلى الذاتيّة. فالشباب ما زالوا في الحال الثوريّة ومآلها ولم يأخذوا منها مسافة بعد. قصص "الغلابة" و"الفلاحين" والموظفين المحبطين أو الشباب "الزُهُق" تطغى على صفحات "توك توك" الساخرة. وهو ما يجعلها المجلّة الأولى والأقدم وربّما الأكثر جاذبيّة بين مرادفاتها لإحترافيّتها العالية. وكأن شنّاوي اكتشف التركيبة السحريّة لـ "كُشَري" الكوميكس الذي وراء رواجها (ومن يتذوقّها يُدمِنها أكثر من غيرها) وجمَعَ فيها من أصبحوا أعلاماً: أنديل، هشام رحمة، مخلوف، توفيق، أنور إلى الشنّاوي نفسه.  أمّا "الدشمة" (عنوانها الآخر "أعرف حقوقك") فتلتزم مسؤوليّة التوعية القانونيّة لحقوق المواطنيّة ولشرعة حقوق الأنسان. وهي تذهب منحى أكثر جدّية سواء في قصصها المأخوذة من الواقع بأقلام إسلام أبو شادي، نائل الطوخي وآخرين أو رسوماتها الموقّعة من مجدي الشافعي، حسن ، أحمد سعد وكريم أحمد. فالحديث فيها عن "البلطجي" والعسكري ومصطفى المواطن العادي الذي تواجهه "المؤسسة". وليس غريباً أن يكون الشافعي مُحرّكها وهو أول من فضح "تركيبة" النظام السابق في ألبومها "مترو" الذي قاده أمام المحاكمات.
والالتزام عند "الكوميكساويين" لا يتعارض مع التجريب في حدود الشريط المصوّر نفسه. وهنا تفتح مجلّة "جراج – ممنوع الوقوف" للتوأم محمد وهيثم رأفت فضاء صفحاتها للاختبار الحرّ خارج القيود المألوفة للشريط المصوّر. وينتقل التعامل إلى المؤلف-الرسّام (author) الذي يضع أفكاره بريشته على أوراق جَهَدَ ناشروها على فنيّة طباعتها ومظهرها الذي أخرجها من شعبيّة الشارع شكلاً. نتعرّف على أسماء مبدعين مثل فريد ناجي، إسلام الشيمي، أحمد حسام، توفيج الغرائبي (توفيق؟) أحمد أنور المحترف، سارة خالد والمبدع المختلف شكلاً ومضموناً وتوقيعا:ً Flyin’ Dutchman (تيمّناً بأسم السفينة الشبح وقبطانها الغرائبي في Pirates of the Caribbean ).
"المرّة دي الشكمجيّة شايلة جوّاها حكايات عن العنف الجسدي والجنسي اللي بتتعرّض له البنت المصريّة في حياتها..." بهذه المقدّمة-المانفيستو تقتحم مجلة "الشكمجيّة" بتحدٍّ ومن دون مواربة تابوهات المجتمع الذكوري المصري ("الشكمجيّة" تعني بالعاميّة العلبة التقليديّة لحفظ الحلى النسائيّة). وإن كانت تصدر عن جمعيّة "نظرة للدراسات النسويّة" فلافت فيها مشاركة فنانين "ذكور" من الأعلام أمثال هشام رحمة و مخلوف وتوفيق وعكاشة وآخرون ليؤكّدوا عُمق التغيير الاجتماعي والفكري الذي يحمله المنخرطون في التيّار الجديد للشريط المصوّر المصري ويسعون لنشره ونلمُس بالمحسوس التغيير الذي أحدثته الثورة الشبابيّة الأخيرة. قصص "الشكمجيّة" مباشرة، عنيفة، استفزازيّة ومؤذية ربّما على شكل "ظاهرة التحرّش اللي بقت عاملة زي الوباء المتفشي في المجتمع... معليش". وتحيّة للشابات منى سنبل، دعاء العدل، منى عبدالرحمن، رانيا هلال، شيماء حامد وعائشة منصور، ورئيسة التحرير فاطمة منصور.

الفن التاسع

غزارة وتنوّع الإنتاج المصري للشريط المصوّر الحديث لم تأتِ من العَدَم أو بين ليلة وضُحاها. وهنا يلعب محمد الشنّاوي دوراً محوريّاً. وإلى كونه من الفنّانين الطليعيين ومن المؤسسين الفاعلين لمجلّة "توك توك"، لم تغب عن ذهن هذا الشاب الذي يعشق الكوميكس أن يؤسس لمجلّة ثقافيّة تُعنى بشؤون هذا الفن وتنشر ثقافته وتفتح للشباب نافذة التعرّف والتواصل مع انتاجاته العالميّة فكانت "الفن التاسع" (2012). مجلّة-جريدة تحفة في التصميم، تقع في 8 صفحات من القطع الكبير، تُعنى بـ"دعم ونشر ثقافة القصص المصورة في مصر والتواصل بين رواد هذا الفن في مصر والمنطقة والعالم". في صفحاتها جديد الكوميكس من مهرجانات ومعارض وإصدارات إلى ملفّات محوريّة تعريفاً بفنّان أو مدرسة فنيّة. وكونها صدرت بدعم من الاتحاد الأوروبي (الذي توقّف حديثاً للأسف) سعى شنّاوي الذي ساعده مخلوف في إدارة تحريرها إلى جعلها منصّة ومنطلقاً لتنظيم ورشات عمل وتدريب في العاصمة والمناطق يُشرف عليها محترفون محليّون ومن الخارج أبرزها ورشة "عاشت مطبوعتي حرّة مستقلة" عمل المشاركون فيها على إخراج جريدة مستقلة من ١٦ صفحة ملونة. إضافة إلى نشاطات مشتركة بين الفنّانين أنفسهم آخرها "24ساعة كوميكس" حيث اجتمع المشاركون لإنجاز قصة مصورة كاملة خلال 24 ساعة متواصلة أنتجت كتاب "حدث بالفعل" وهو موضوع اللقاء.
وإذا كانت المجلات المتخصّصة للكبار من علامات الدخول إلى عالم الشريط المصوّر الحديث، فإصدارات الألبومات هي العلامة الفارقة الأخرى (اللبنانيّون سبّاقون مع مازن كرباج، برّاق ريما، زينة أبي راشد، لينا مرهج، جومانا مدلج، عمر الخوري ومتخرّجو الأكاديميّة اللبنانيّة للفنون " ألبا"). ولا يتوقّع في هذا المجال أن يكون الكمّ موازياً للإصدارات الدوريّة. فالقصّة تتطلّب نفساً روائيّاً وصنعة إحترافيّة إلى الوقت الذي يستغرقه الرسّام (وليس مجموعة فنّانين كما المجلّة) لإنهاء عمله. هنا استوقفني عملان روائيّان مميّزان، "في شقّة باب اللوق" (كتابة دنيا ماهر، رسوم أحمد نادي، إخراج جنزير) و"تأثير الجرادة" (رواية أحمد خالد توفيق ورسوم حنان الكرارجي). عملان يؤسسان لمسارين واتجاهين روائيّين مختلفين.
في "تأثير الجرادة"، وكنت أتمنّى للألبوم القياس الأوروبي وليس "المانغا"، تعتمد الكرارجي صرامة التقطيع في المشاهد، وتتقن اللعب على الكاميرا لترافق كثافة الحركة الجسمانيّة المكثّفة للشخصيّة الأساسيّة. ترسم بحرفيّة عالية وتعبيريّة تخلو من التفاصيل في قالب خيال علمي يستند إلى شخصيّات واقعيّة من أمثال حسني مبارك وأولاده، ومحمد البرادعي وآخرين. قصّة توفيق سياسيّة بامتياز لرجل لديه آلة تعود بالزمن ويريد استخدامها لوقف الثورة قبل حدوثها فيقع في النهاية ضحيّة السلطة التي أراد إنقاذها في رسالة واضحة أن الثورة وقعت ولا يمكن العودة بها إلى الوراء. في المُقابل تغوص دنيا ماهر في ذاتيّتها وهي تُخبرنا عن "شقّة باب اللوق" ومناخات شارعها  وناسها ويساعدها جنزير في التصميم الفنّي. وهنا تُبدِعُ ريشة أحمد نادي (اسم يستحقّ المتابعة مثله أنديل في المُقابل الكاريكاتوري). ربّما لأنه جاء من الفن التشكيلي احترافاً، وربّما أيضاً لشخصيّته الشعبيّة والحسّاسة في آن، بَرَعَ نادي بريشته المُرهفة في التقاط تفاصيل الشقّة المتداعية والمناخات الشعبيّة لشارعها بدكاكينه وأصوات صفارات إنذاراته وتوقُّف الوقت في مقاهيه وغزو "الدشّات" لسطوحه. وكم تفاجأت حين أعدّ لنا المركز الثقافي الفرنسي زيارة لأحياء العاصمة الشعبية ومررنا بباب أللوق، كيف تعرّفتُ إلى خطوط الحيّ ورائحته وضجيجه وكأنّي كنت هنا من قبل، ولكن في المرّة السابقة على الورق مع الثلاثي ، نادي، ماهر وجنزير.
"كايرو كوميكس" تذهبُ إليه مُتردّداً وتعود منه مُصاباً بعدوى مياه النيل.
جورج خوري (جـــاد)