Saturday, October 17, 2015

Cairo Comics (1) 2015

من القاهرة إلى بيروت... وعودة
"كايرو كوميكس" يستعيد الدور ويُطلِق حركة التغيير...

القاهرة - ....
لم يكن شباب "توك توك" يعلمون حين خرجوا لتوزيع العدد الأول لمجلّتهم أن الحراك في الشارع المقابل سيتطوّر إلى ثورة تؤدّي إلى إطاحة نظام. همّهم كان إطلاق حركة تغيير في "ميدان" الشرائط المصوّرة المحصور في عالم الأطفال، وركوده القاتل الذي أبعد بلادهم عن لعب أي دور رياديّ في هذا المجال. وفي المقابل، فاتنا نحن المقيمون خارج مصر، وبعد إخفاقات الثورات العربيّة، أن حركة التغيير (على الأقل في هذا الجانب) مستمرّة، وبدأت تُطِلّ بكثافةِ إنتاجٍ غير مسبوق لتعيد لمصر دورها الريادي الذي أبرزه المهرجان الأول للشريط المصوّر للكبار "كايرو كوميكس" (هناك إصرار على تعريب التسمية للمهرجان).
 شباب جاؤوا من لبنان، تونس، الأردن، المغرب، أو حضروا بأعمالهم لتعذّر حصول بعضهم على تأشيرات دخول من ليبيا والجزائر والعراق وسوريا وفلسطين. اجتمعوا، ناقشوا، تواصلوا، وتبادلوا التجارب عبر المعارض التي استضافها الحرم القديم للجامعة الأميركيّة قرب ميدان التحرير، إلى حلقات البحث الأكاديمي ومنصّات بيع المجلات والكتب (في الحرم نفسه) أوالطاولات المستديرة وحلقات النقاش الليليّة "ع السطوح" (التسمية الرسميّة الخلاّقة لها) التي جرت فوق سطح النادي اليوناني قرب ساحة محمد طلعت وسط العاصمة الخديويّة. ولم ينسَ المهرجان الذي أقيم بالتعاون مع المعهد الثقافي الفرنسي ومعهد غوته الإلماني، التقليد الذي تقوم عليه المهرجانات الدوليّة من إقامة ليلة الـ "Cosplay" حيث يتجمهر شباب (وبنات) متنكّرون بأزياء أبطال القصص المصوّرة وسط صخب مباريات الـ "Street Dance". وكان لافتاً مشاركة الشابات في هذه النشاطات والمحجّبات منهن (استمرار النبض الشبابي للشارع؟)

 نكهة مصريّة

السمة المصريّة كانت غالبة على المهرجان. من تسمية الـ"كوميكس" الرسميّة، إلى الهويّة البصريّة من الألوان والحروفيّة في المطبوعات والملصقات والمعارض، والعناوين الطريفة والمعبّرة لأمسيات النقاش: "المطبخ" (إدارة بهيّة شهاب وأحمد غربيّة) الذي تناول ظروف الإبداع ووسائل النشر والتعبير والمسارات الفرديّة للجيل الجديد من رسّامي الشرائط المصوّرة ومؤلفيها. "غرفة النوم" (إدارة لينا عطا الله والرسام محمد أنديل) والجدل حول التابوهات والإيديولوجيّات والسلطة السياسيّة وعلاقتها بالقصّة المصوّرة واختلافها بحسب تميّز البلدان العربيّة. وأخيراً "الصالون" (إدارة لينا غيبة والأميركي جوناثان غاير) والسؤال الأكثر إثارة: هل يمكن الحديث عن شريط مصوّر عربي جامع؟ أم أننا أمام تجارب محليّة خاصة في كل بلد مع طغيان اللغات/اللهجات المحكيّة على نتاج الجيل الجديد المتأثّر والمشارك في الثورات العربيّة. هنا تتعرّى "هويّات" المشاركين الأثنيّة والثقافيّة (وحتى الدينيّة أو المذهبيّة).
مصريّة كانت المعارض أيضاً. "زغلول أفندي" لأحد روّاد هذا الفن الراحل محيي الدين اللباد والذي جمع بعضاً من رسوماته الأصليّة وأخرى اشتهر بها ونُشِرَت في مجلات مصريّة وعربيّة "من المحيط إلى الخليج". وهنا تحيّة خاصة لمُعدّ المعرض ومُصمِّمه محمد الشنّاوي (العلامة البارزة في المشهد "الكوميكساوي" المصري) الذي جهد توثيقاً وتصميماً راقياً لمعرض بمصطلحات ومقاييس عالميّة. معرض آخر من مستوى مماثل هو "كوكب الرسامين" من إعداد وتصميم التوأم محمد وهيثم رأفت (من مؤسّسي المهرجان إلى الشنّاوي والمخضرم مجدي الشافعي) ويضمّ أعمالاً لناشئين من بين ورش العمل التي ينظماها تحت اسم "توينز كارتون". أما "شماريخ" (الأسهم الناريّة بالعاميّة المصريّة) فحوى مختارات لفنّانين شباب تقدّموا لمسابقات المهرجان وهي خمس: أفضل مجلة مطبوعة، أفضل قصة مصورة قصيرة، أفضل رواية قصص مصورة، أفضل مشروع قيد التنفيذ لـرواية مصورة/مجلة مستقلة، أفضل قصة مصوّرة منشورة إلكترونيا وأخيراً أفضل شريط (كوميك ستريب) في الصحافة المقروءة.
مصري الهوى كان ضيف شرف "كايرو كوميكس" الفنان الفرنسي غي نادو المعروف بـ"غولو". الرحّالة الذي حطّت رحاله في القاهرة في العام 1993 حيث استقرّ قبل الانتقال إلى قرية القرنة قرب الأقصر حيث عمل على القصص الشعبيّة المصريّة المعاصرة. بقي غولو متنقّلاً بين القاهرة و القرنة إلى 2011 وبدايات الثورة التي غادرها الى عاصمة الشريط المصوّر في مدينة أنغوليم الفرنسيّة. وفي دعوته للنسخة الأولى للمهرجان لفتة وفاء لفنان أحبّ مصر وناسها (نطق بلغتهم طول أيام المهرجان) ونقل ثقافتها الشعبيّة وتفاصيل حياتها اليوميّة في أعماله ومساهماته الدوليّة. أثّر كثيراً في رعيل الفنانين الذين انطلقوا فرادة في مغامرات للشريط المصوّر للكبار. وجوده كان أيضاً لتوقيع كتابه "ألوان العار" الذي أعيد إصداره باللغة العربيّة بمناسبة المهرجان عن دار "لافابريكا" المصريّة المتخصّصة حديثاً في نشر الكوميكس العربي.

حضور لبناني ونسائي مميّز

وكأن منظمي المهرجان أرادوا لمهرجانهم الأول دوراً عربيّاً جامعاً ومحوريّاً، فكان اختيارهم للمدعوّين العرب من الشباب الذين يشكلون الرافعة الحاليّة للشريط المصوّر في بلدانهم أو من مؤسّسي التغيير. وإذا كان الحضور اللبناني طاغياً فليس بصدفة وإنّما لمسار هذا البلد وتجربته الرائدة في مجال الشريط المصوّر للكبار منذ الثمانينات (وإن تكن تجاربه فرديّة ولم ترقَ إلى تشكيل حركة وجمهور): لينا مرهج، جنى طرابلسي، فؤاد مزهر وجوزيف قاعي من "السمندل" (لبنان)، وائل عتيلي وحسّان مناصرة (الأردن)، مهدي أناسي، زينب بن جلون (المغرب) وثنائي الدار البيضاء المبدع محمّد البلّاوي الملقّب "ريبيل سبيريت" (وهو كذلك) وصلاح مالولي اللذين عبر إصرارهما على إصدار مجلّة "سكِف كِف" و"دليل البيضاوي" كأنهما يحملان حركة التغيير المغربيّة على أكتافهما وحدهما. أما من تونس فسحرت نهى الحبيّب بتجربتها الرائدة مع مجلّة "مخبر 619" وعثمان سالمين. ومن جيل المؤسسين تبقى لينا غيبة من لبنان الحاضرة بقوّة سواء في إدارة الجلسات أو رئاسة لجنة التحكيم لجوائز المهرجان وفي اليوم الأكاديمي الطويل والحفل الختامي لتسليم الجوائز إلى جانب غولو وممثل مهرجان أنغوليم جان-بيار ميرسييه.
وإن كان بعض المشاركين سبق أن زار لبنان وتمّ التعرّف إليه في مناسبات مختلفة، فأن المفاجأة الكبرى كانت "إكتشاف" فنانين ومؤلفين مصريين لم يعبروا الحدود ويشاركون اليوم في صناعة المشهد المعاصر للشريط المصوّر القاهري. وعدا الذين وصلت إلينا إصداراتهم نحن المتخصصين في هذا المجال، هناك كمّ من المحترفين وإن حديثي الظهور يملأ فضاء الفن التاسع في حركة واعية وهادفة ترعاها منظومة مكتملة من رسامين عددهم يتصاعد وإصدارات متواصلة ودور نشر وجمهور موالٍ وسوق (نَقَلَ إليّ ممثل للمعهد الفرنسي أنه في ليلة إطلاق إحدى المجلاّت وحدها بيعت ألف نسخة منها، وهو رقم يحلم به أي ناشر شريط مصوّر في أي بلد عربي وإن على مدى سنوات). الملاحظة الأخرى أن كلّ الإصدارات يغلُب عليها الهاجس المحلي والشخصي مهما تعددت الأساليب أو المواضيع، لذا نرى اللهجة المحكيّة طاغية ومضمونها الشعبي صعب المنال أحياناً لإغراق في الخصوصيّة المحليّة. علامة أخرى اعتدناها في لبنان وتفاجئ المواكب للمشهد المصري، وهي العدد المتزايد للحضور النسائي لرسّامات وكاتبات الشرائط المصوّرة (الجوائز غلب عليها الطابع النسائي) إلى حدّ إصدار مجلّة كوميكس نسويّة تعنى بمشاكل المرأة المصريّة وفي مقدّمها التحرّش الجنسي ("الشكمجيّة" والتي تعني بالعاميّة العلبة التقليديّة لحفظ الحلى النسائيّة).
في طريق العودة إلى بيروت، راودني أن انطلاق فن الشريط المصوّر العربي مع مجلّة "سندباد" ترافق مع ثورة يوليو 1952 وانتشرت إلى أن صادَرَتْها السلطة السياسة شكلاً ومضموناً خصوصاً بعد هزيمة 1967 حين انتقل ثقل الإنتاج وريادته إلى بيروت. وعشيّة ثورة "يناير 2011" أطلق "مترو" مجدي الشافعي ومجلّة "توك توك" وما تلاها من إصدارات الحركة الحديثة للكوميكس المصري. خوفي من أن تنتهي هذه التجربة مُصادَرَة كما الأولى كوننا اعتدنا تكرار التاريخ. لكن النظر في عيون شابات وشباب "كايرو كوميكس" ومُلامسة الحماس والإصرار (وإن غير المنظّم) ينشروه أينما حلّوا وكأنه عدوى، يترُك مجالاً للحُلم بأن الاستفزاز الحالي سيستمرّ.
أليس الشريط المصوّر بتحديده الأوّل حُلُماً يستفزّ الواقع؟
جورج خوري (جـــاد)

بطاقة "كايرو كوميكس"
-        المؤسسون: مجدي الشافعي، محمد الشنّاوي، التوأم محمد وهيثم رأفت.
-        الجوائز:
1.      أفضل رواية مصوّرة منشورة: "تأثير الجرادة" – رسوم حنان الكراجي
2.      أفضل قصّة مصوّرة قصيرة: "الملائكة تنام في البحر" – ميغو
3.      أفضل مجلّة مطبوعة: "مخبر 619" من تونس
4.      أفضل سلسلة ألكترونيّة: "قاهرة" – دينا أحمد
5.      أفضل مشروع قيد التنفيذ: "بدون عنوان" – ريهام حسني
6.      أفضل شريط مصوّر للصحافة: أحمد عكاشة – عمرو الطاروطي